عُمان في قلب العاصفة… لكنها لا تنحاز

2026/04/10

بقلم: حيدر زيبرم

تختار بعض الدول في لحظات الأزمات الاصطفاف الحاد، إما مع هذا الطرف أو ضده بالكامل. ففي منطقة تموج بالصراعات والاستقطابات الحادة، تمضي سلطنة عُمان في اتجاه مختلف، حيث اختارت طريقا مختلفا، لا يقوم على الانحياز المطلق، ولا على العداء الكامل، بل على التوازن الدقيق.

هذا النهج ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمدرسة سياسية عُمانية تدرك أن الاستقرار الإقليمي هو أساس أمنها الوطني. فالتصعيد، خصوصا مع إيران، لا يُنظر إليه في مسقط كخيار سياسي بعيد، بل كتهديد مباشر يمسّ أمنها واقتصادها.

تستند هذه الرؤية إلى مجموعة من العوامل الواقعية:

أولا: فلسفة التوازن العُماني

حيث تعتمد السياسة الخارجية العُمانية على مبدأ بسيط لكنه بالغ العمق:

“لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة… بل مصالح دائمة”

لذلك، تتجنب مسقط الانخراط في المحاور المتصارعة، وتسعى دائما إلى الحفاظ على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف لتلعب دور الوسيط بدل الطرف و تقلل المخاطر بدل تضخيمها.وهذا ما يجعلها تبدو أحيانا "خارج السياق"، لكنها في الواقع تتحرك وفق حسابات دقيقة.

ثانيا: لماذا لا تعادي عُمان إيران؟

العلاقة بين عُمان وإيران ليست طارئة، بل تستند إلى اعتبارات استراتيجية وتاريخية:

1- الجغرافيا الحاكمة

• تتشارك عُمان مع إيران الإشراف على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، ما يجعل أي توتر مع طهران مخاطرة استراتيجية. و أي تصعيد مع إيران لا يعني خلافا سياسيا فقط، بل تهديدا مباشرا للأمن البحري و خطرا على الاقتصاد العُماني اضافة إلى إحداث اضطرابا في حركة التجارة العالمية.

2-الذاكرة التاريخية

• الإرث التاريخي: فقد وقفت إيران إلى جانب عُمان خلال حرب ظفار، في حين حافظت السلطنة على علاقاتها مع طهران حتى بعد ثورة 1979، رافضة القطيعة التي انتهجتها دول أخرى.

3- الواقعية السياسسة

• الثقة السياسية المتبادلة: ما جعل عُمان تُعرف بدورها كوسيط نزيه وموثوق، قادر على فتح قنوات الحوار في أصعب اللحظات. وتدرك أن إيران لاعب إقليمي لا يمكن تجاهله، كما أنها تملك أدوات تأثير في ملفات عديدة. لذلك، فإن إدارة العلاقة أفضل من الدخول في صراع مفتوح معها.

ثالثا: عُمان كوسيط موثوق

• بفضل هذا التوازن، تحولت السلطنة إلى قناة اتصال بين الخصوم و منصة للحوار في الأزمات المعقدة ووسيط يحظى بثقة نسبية من مختلف الأطراف.هذه المكانة لم تأتِ صدفة، بل نتيجة سياسة ثابتة وهادئة على مدى عقود.

رابعا: بين الانتقاد والنجاح

غالبا ما تُنتقد السياسة العُمانية من بعض الأطراف باعتبارها "محايدة أكثر من اللازم"، لكن الواقع يُظهر أن السلطنة تجنبت الانزلاق في صراعات مدمرة و حافظت على استقرارها الداخلي التي قلّلت من المخاطر الأمنية مقارنة بغيرها. بمعنى آخر، ما يُفسَّر أحيانا كـ "تردد"، هو في الحقيقة حساب دقيق للكلفة والنتائج.

خامسا: في زمن التصعيد

مع تصاعد التوترات في المنطقة، يكتسب النهج العُماني أهمية أكبر، لأنه يقلل احتمالات الانفجارويحافظ على قنوات الحوار، و في الوقت ذاته يمنح المنطقة هامشا للتنفس وسط الأزمات، وفي عالم يزداد استقطابا، تصبح المرونة السياسية قوة بحد ذاتها.

من هنا، لا تُفهم السياسة العُمانية على أنها "حياد سلبي"، بل هي حياد نشط يسعى إلى تقليل التوترات، لا تجاهلها، وإلى إدارة الأزمات، لا الهروب منها. لذا اختيار السلطنة للتوازن ليس موقفا مؤقتا، بل نهج استراتيجي راسخ. فهي تدرك أن الانحياز الكامل قد يجلب مكاسب قصيرة الأمد، لكنه يحمل مخاطر طويلة الأمد.

وفي معادلة معقدة كمعادلة الشرق الأوسط، تبدو الحكمة العُمانية واضحة:

"الاستقرار لا يُبنى بالصوت العالي… بل بالعقل الهادئ".

أخترنا لك
شوقي أبي شقرا: فور انتهائي من النّص ينتابني ما يشبه الطرب

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة