تتوقّع الأوساط السياسية والإعلامية للرئيس إردوغان أن يستمر في مراقبة التطوّرات السريعة في إيران ولبنان والعراق. وسيقرّر إردوغان على ضوئها ما ستتخذه أنقرة من قرارات مرحلية.
بقلم|حسني محلي| باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي
في بدايات العدوان الصهيو-أميركي على إيران عندما كان الرئيس إردوغان حريصاً على عدم توجيه أيّ انتقاد لهذا العدوان وأن يذكر ترامب بالاسم، لم يتأخّر وزير خارجيته هاكان فيدان عن المساهمة والمشاركة في كلّ الفعّاليات الإقليمية وفي مقدّمتها اللقاء الوزراي في الرياض وشارك فيه 12 وزير خارجية من الدول العربية والإسلامية.
ونتذكّر جميعاّ كيف أنّ هذا اللقاء انتقد إيران بسبب "استهدافها لدول الخليج" من دون التطرّق إلى القواعد الأميركية والبريطانية والفرنسية الموجودة في هذه الدول، كما لم يتطرّق البيان للعدوان الصهيو- أميركي على إيران مع إشارة خجولة للعدوان الإسرائيلي على لبنان.
ومع الزيارات المتكرّرة التي قام بها لدول الخليج ومصر والأردن وباكستان لم يتردّد الوزير فيدان من انتقاد سياسات إيران محمّلاً إياها البعض من المسؤولية في الحرب المستمرة، وعلى الرغم من الحملات العنيفة التي شنّها ويشنّها الإعلام التركي المعارض والموالي للرئيس إردوغان ضدّ العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران.
ودفع كلّ ذلك ولو بشيء من التأخير الرئيس إردوغان إلى توجيه انتقادات عنيفة "للعدوان الأميركي - الإسرائيلي" ولكن من دون أن ينطق اسم الرئيس ترامب الذي سبق له أن امتدح إردوغان لموقفه حيال الأزمة الإيرانية، وقال الأسبوع الماضي "إنّ إردوغان زعيم عظيم وهو صديقي وقد كان على الحياد في موضوع الحرب على إيران والتزم بالقواعد والأطر التي حدّدتها له".
وأثار كلام ترامب هذا ردود فعل واسعة في الشارع السياسي والإعلامي وقال زعيم حزب الشعب الجمهوري أوزكور أوزال "على إردوغان أن يقول لنا ما هي القواعد التي فرضها ترامب عليه ومنعه من خلالها من اتخاذ أيّ موقف عملي ضدّ العدوان على إيران".
ومع استمرار تدفّق البترول الأذربيجاني إلى الكيان العبري عبر الأنابيب التي تمتد من باكو إلى ميناء جيهان التركي على الأبيض المتوسط ومنه يتمّ نقله إلى ميناء حيفا، فوجئ الجميع بإعلان وزارة الدفاع التركية عن قرار الحلف الأطلسي المفاجئ بإنشاء مقرّ قيادة جديدة في جنوب شرق تركيا (يوجد الآن مقرّان أحدهما في إسطنبول والثاني في إزمير على بحر إيجة)، وهو ما اعتبرته الأوساط الدبلوماسية ضغوطاً أميركية على أنقرة كي تكون طرفاّ في مشاريع ومخططات واشنطن المستقبلية ضدّ إيران والمنطقة عموماّ.
وأما التحرّكات الدبلوماسية التركية ومنها الاتصالات الهاتفية المكثّفة التي يجريها الرئيس إردوغان ووزير خارجيته هاكان فيدان مع العديد من المسؤولين في الدول المختلفة فقد أثارت الكثير من التساؤلات لأنّ معظم هذه الدول ضدّ إيران وحليفة واشنطن والكيان العبري.
فعلى سبيل المثال يرى الرئيس إردوغان في الرئيس إلهام عالييف شقيقاً له باعتبار أنّ الآذريين من أصل تركي في الوقت الذي يعتبر فيه عالييف الكيان العبري ورئيس وزرائه المجرم نتنياهو صديقاً وحليفاً استراتيجياً له.
وهذا هو الحال بالنسبة لرئيس وزراء المجر فيكتور آوربان صديق الرئيس إردوغان الحميم والذي استضاف نتنياهو في بلاده بعد قرار محكمة الجنايات الدولية باعتقاله.
وبالتذكير بتجاهل موسكو للدور التركي في الأزمة الإيرانية سلباً كان أم إيجاباً فقد تهرّب الرئيس بوتين خلال الفترة الماضية من إجراء أيّ مكالمة هاتفية مع الرئيس إردوغان وإلى أن حالفه الحظ في إجرائها في 3 نيسان/أبريل الجاري.
وتحدّثت المعلومات قبل ذلك وما زالت عن فتور في العلاقات بين الطرفين وهو ما انعكس على استقبال إردوغان للرئيس الأوكراني زيلنسكي في إسطنبول بعد يوم من مكالمته الهاتفية مع بوتين.
وجاءت مرافقة وزير الخارجية هاكان فيدان للرئيس زلينسكي إلى دمشق وبطائرة الرئاسة التركية وجلوسه مع الوفد الأوكراني خلال لقائه بالرئيس أحمد الشرع ليثير العديد من التساؤلات في الشارع الشعبي والسياسي والإعلامي التركي والذي استغرب هذا التصرّف و اعتبره البعض من المحلّلين إشارة واضحة للفتور وربما التوتر بين أنقرة و موسكو.
مع استمرار نشاط القواعد الأميركية في تركيا وبشكل خاصّ قاعدة كوراجيك شرق الفرات ومهمتها الأساسية هي رصد الصواريخ التي تنطلق من إيران باتجاه الكيان العبري أو القواعد الأميركية وإبلاغ القاعدة الأميركية الرئيسية في ألمانيا بذلك.
وتقوم هذه القاعدة بدوها بإبلاغ القيادة البحرية الأميركية شرق الأبيض المتوسط ومن ثم القبة الحديدية في "إسرائيل" كي يتسنى لها التصدّي لهذه الصواريخ قبل أن تدخل الأجواء الإسرائيلية.
كلّ ذلك في الوقت الذي تتحدّث فيه المعلومات عن احتمالات أن تقوم العديد من شركات التكنولوجيا من أمثال أمازون وميكرو سوفت وغوغول وأوراكيل وآي بي أم وبالانتير وجات جي بي تي والتي تستهدفها الصواريخ والمسيّرات الإيرانية بنقل مراكزها الإقليمية من الإمارات وقطر والبحرين إلى تركيا بعد أن تعرّضت البعض من هذه المراكز في البحرين والإمارات لهجمات إيرانية مباشرة.
ومعروف عن معظم هذه الشركات أنها سخّرت جميع إمكانياتها التكنولوجية وبشكل خاص فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي خدمة للعمليات العسكرية الأميركية والإسرائلية ضدّ إيران، وبشكل عامّ للتجسس على جميع دول وشعوب المنطقة وعبر إمكانياتها التكنولوجية العالية وأقمارها الاصطناعية التي تراقب وتتجسّس على كلّ من تشاء من الأفراد والكيانات، ومن خلال الهواتف النقّالة وأجهزة الحاسوب والكاميرات المستخدمة في كلّ مكان والتي تعتبر المصدر الرئيسي لكلّ المعلومات التي تجمعها الشركات المذكورة وتملك أيضاً شبكات التواصل الاجتماعي.
وتبنّت هذه الشركات الحملة الإعلامية العالمية ضدّ إيران عندما أوقفت الإنترنت وأغلقت كلّ شبكات التواصل الاجتماعي خلال أحداث كانون الأول/ديسمبر الماضي حيث كانت أجهزة المخابرات المختلفة وبالتعاون مع شركات التكنولوجيا تجمع ما يكفيها من المعلومات الضخمة عن إيران، وكما كان الحال عليه خلال العدوان الصهيوني على غزة ومن ثم لبنان.
وتحدّثت التقارير الاستخباراتية آنذاك عن نجاح شركات التكنولوجيا التي تتعاون مع الكيان العبري في جمع معلومات ضخمة ومهمة وثمينة جداً عن حماس والشعب الفلسطيني عموماً حيث كان أكثر من 1،5 مليون فلسطيني يتحدّثون يومياً وباستمرار ومن دون أيّ تحفّظ بهواتفهم النقّالة ويتبادلون الرسائل الصوتية والمكتوبة وفيها كلّ المعلومات عن تحرّكاتهم وأوضاعهم وكلّ التفاصيل المهمة بالنسبة للكيان العبري، وكما هو الحال في التجسس على أجهزة البيجر وأجهزة اللاسلكي ومن ثم الهواتف النقّالة لجميع الشعب اللبناني وبشكل خاصّ كوادر حزب الله.
وبالعودة إلى تناقضات تركيا الحالية والمحتملة فقد التقى الرئيس إردوغان في الـ 27 من آذار/مارس في إسطنبول مع رئيس مجلس إدارة شركة بلاك روك الأميركية ليري فينك، ومن دون أيّ معلومة رسمية عن مضمون اللقاء الذي أثار العديد من التساؤلات في أوساط المعارضة التي قالت إنّ فينك وهو صديق ترامب ونتنياهو قد جاء إلى تركيا لإقناع إردوغان بضرورة التنسيق والتعاون مع "تل أبيب" وواشنطن في حربها ضدّ إيران، وذلك مقابل دعم مالي كبير يساعدها للخروج من أزمتها المالية الخطيرة لما لفينك من علاقات متشابكة من الشركات والمصارف الدولية وأهمها روتشيلد وروكفلر اليهوديتين.
وفي جميع الحالات ومع استمرار الدعم الشعبي التركي الواسع والعظيم لإيران في تصدّيها للعدوان الصهيو- أميركي والحديث عن صمود الشعب الإيراني المتماسك في وجه العدوان وكلّ المتواطئين له في المنطقة، تتوقّع الأوساط السياسية والإعلامية للرئيس إردوغان أن يستمر في مراقبة التطوّرات السريعة في إيران ولبنان والعراق.
وسيقرّر إردوغان على ضوئها ما ستتخذه أنقرة من قرارات مرحلية تضع بعين الاعتبار الصداقة مع ترامب والمصالح الوطنية والقومية لتركيا على المدى القريب والمتوسط والبعيدـ، وأياً كانت نتائج العدوان الحالي على إيران ولبنان.
بعد أن بات واضحاً أنّ المنطقة وبكلّ معطياتها لا ولن تكون بعد الآن كما كانت عليه قبل العدوان، وقد كان إسقاط النظام في سوريا بالتنسيق الأميركي - التركي-السعودي-الإسرائيلي الموشّر الأوّل على هذا العدوان والرهان على نتائجه المحتملة إقليمياً ودولياً.