بقلم: وائل الغول... متخصص مصري في الشؤون الاسرائيلية
في قاعة مضاءة داخل البيت الأبيض، جلس أكثر من 100 من القادة الدينيين، رؤوسهم منحنية في صمت، بينما تتردد كلمات صلاة تحمل نبرة غير مألوفة… لم تكن مجرد دعاء لرئيس… بل خطابًا يقترب من التقديس.
خلال غداء أسبوع الآلام (Holy Week) الذي نظمه البيت الأبيض مطلع أبريل 2026، وقفت الواعظة الإنجيلية باولا وايت-كاين، المستشارة الروحية للرئيس دونالد ترامب، لتطلق مقارنة صادمة: رئيس الولايات المتحدة… يشبه المسيح!
سردية “الصلب السياسي”
أمام الحضور، وبينهم فرانكلين غراهام، القسّ الإنجيلي الأمريكي وابن الواعظ الشهير بيلي غراهام، وأحد أبرز وجوه التيار الإنجيلي المحافظ في الولايات المتحدة، شبّهت وايت-كاين ما تعرض له ترامب من محاكمات واتهامات ومحاولة اغتيال، بما وصفته بـ“الخيانة والاضطهاد” الذي تعرض له المسيح.
لم يكن التشبيه عابرًا… بل بناء سردي كامل:
• اتهامات تعني “إدانة ظالمة”.
• أزمات تعني “اضطهاد”.
• نجاة تعني “قيامة”.
هنا، لا يُقدَّم ترامب كرئيس يواجه خصومًا… بل كشخصية تمر بطقس خلاص ديني، يُعاد فيه تفسير الحدث السياسي بلغة لاهوتية.
“أنا المختار”
هذه اللغة لم تأتِ من المحيطين به فقط.
في أغسطس 2019، وخلال حديثه عن الحرب التجارية مع الصين، قال دونالد ترامب أمام الصحفيين:
“أنا المختار” (I am the chosen one).
لاحقًا وصفها بأنها مزحة، لكن العبارة لم تختفِ من التداول، بل أعيد توظيفها داخل خطاب ديني يرى في الزعيم عنصرًا ضمن “خطة أكبر”.
من “رئيس” إلى “ملك نبي”
داخل تيارات مثل القومية المسيحية، يتجاوز الخطاب حدود السياسة إلى تفسير عقائدي لدور القائد:
• يُقدَّم كـ“ملك نبي”.
• يُنسب إليه ما يُعرف بـ“مسحة قورش”.
• ويُنظر إليه كأداة في مواجهة “الشر”.
وفي هذا السياق، يبرز لانس والناو — أحد أبرز الوجوه في التيار الإنجيلي — الذي يصف ترامب منذ 2016 بـ“ملك نبي” يحمل مسحة قورش الوثني الذي استخدمه الله.
وفي 2026، لا يزال يؤكد: “هذا ليس سياسة، بل نبوءة”.
الصهيونية المسيحية
لا يمكن فهم هذا المشهد بمعزل عن تيار أوسع داخل بعض الأوساط الإنجيلية يُعرف بالصهيونية المسيحية.
وهو تيار يقدّم قراءة لاهوتية للصراع الدولي، ويمنح دعمًا قويًا وغير مشروط لإسرائيل باعتباره جزءًا من “خطة خلاص” ترتبط بنبوءات دينية حول نهاية الزمان.
داخل هذا الإطار، لا تُفسَّر التحالفات السياسية باعتبارها مصالح دول، بل تُقرأ كخطوات ضمن مسار ديني مقدّر سلفًا.
وتُعد هذه الظاهرة جزءًا من سياق أوسع لما يُعرف بـ“تسييس الدين” داخل السياسة الأمريكية، خاصة بين الإنجيليين البيض.
حيث تشير تقديرات انتخابية إلى أن نحو 80% منهم صوّتوا لصالح دونالد ترامب في جولات انتخابية سابقة، ما يعكس عمق التداخل بين القناعات الدينية والاختيارات السياسية.
وفي حالة ترامب، فقد شهدت فترة رئاسته تقاربًا لافتًا مع هذا التيار، تجلّى في قرارات وسياسات اعتبرها مؤيدوه استجابة مباشرة لرؤى دينية-سياسية تتسق مع أولويات الصهيونية المسيحية.
مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.
هذه القرارات عززت من مكانته داخل هذا التيار، ورسخت صورة “الزعيم المتناغم” مع رؤية لاهوتية أوسع لدى قطاعات من الإنجيليين.
لماذا تدعم الصهيونية المسيحية ترامب؟
لا يقتصر تقاطع الصهيونية المسيحية مع دونالد ترامب على الدعم العام لإسرائيل فقط، بل يمتد إلى توافق في المصالح والرؤية داخل جزء من هذا التيار يرى في ترامب أداة سياسية قادرة على تحقيق أولويات محددة.
هذا التيار لا يتعامل ككتلة واحدة، بل يضم طيفًا من التوجهات؛ فبعض أجنحته يركّز على البعد اللاهوتي المرتبط بنبوءات نهاية الزمان، بينما ينخرط جزء آخر بشكل مباشر في السياسة الأمريكية، معتبرًا أن دعم مرشح أو رئيس معين يمكن أن يسرّع من تحقيق تلك الرؤية.
في هذا السياق، حظي ترامب بدعم واضح من قيادات إنجيلية بارزة مثل جون هاجي، وكذلك شخصيات مثل جيري فالويل في مراحل سابقة، إضافة إلى مايك بنس الذي مثّل حلقة وصل بين الخطاب الإنجيلي والمؤسسة السياسية.
نرجسية تتغذى على القداسة
شخصية مثل ترامب، المعروفة بحاجتها المستمرة للاعتراف والظهور، تجد في هذا النوع من الخطاب مستوى مختلفًا من الدعم لا يقتصر على التأييد السياسي، بل يمتد إلى ما يشبه “التفويض الرمزي”.
هذا النمط لا يكتفي بمدح الإنجاز، بل يعيد تعريف هوية القائد نفسه.
فبدلًا من كونه رئيسًا منتخبًا يخضع للنقد والمحاسبة، يُقدَّم ضمن سردية تجعله جزءًا من “مسار استثنائي” أو “مهمة أكبر من السياسة اليومية”.
ويشير باحثون في علم النفس السياسي إلى أن تكرار هذا النوع من الخطاب يؤدي إلى تضخيم الصورة الذاتية لدى القادة، خصوصًا عندما يأتي المديح من دوائر دينية تمنح الشرعية بعدًا يتجاوز البشر والمؤسسات.
في هذه الحالة، لا تعود النرجسية مجرد سلوك فردي قائم على الحاجة للثناء، بل تتغذى على بيئة تمنحها تفسيرًا أوسع: أن هذا القائد ليس فقط ناجحًا… بل “مُختارًا”.
مثال تاريخي على ذلك يظهر في بعض الأنظمة الإمبراطورية القديمة، حيث ارتبطت السلطة السياسية بفكرة “التفويض الإلهي”، ما جعل الحاكم في نظر المجتمع ليس مجرد قائد إداري، بل امتدادًا لإرادة عليا، وهو ما ساهم في تقليل المساءلة وتعزيز الهالة الرمزية حوله.
لماذا الآن؟
صعود هذا الخطاب لا يمكن فصله عن عدة تحولات أوسع:
• صعود القومية المسيحية داخل قطاعات من الإنجيليين.
• الاستقطاب السياسي الحاد داخل المجتمع الأمريكي.
• شعور بعض الفئات بالتهميش وفقدان النفوذ.
هذه العوامل مجتمعة تدفع نحو البحث عن “منقذ” قوي، لا مجرد إدارة سياسية تقليدية، وهو ما يخلق بيئة خصبة لاندماج الخطاب الديني مع الزعامة السياسية.
وفي المحصلة، لا تعمل الصهيونية المسيحية وخطاب تقديس القادة في مسارين منفصلين، بل يلتقيان عند نقطة واحدة: تحويل “الزعيم” من بشري قابل للنقد، إلى “مبعوث إلهي” لا يجادل ولا يعارض.