السياسات الصينية تجاه المنطقة ليست مجرد ردّ فعل ظرفي، بل تُعبّر عن تحوّل تدريجي من نهج الحياد الاقتصادي إلى نمط الانخراط السياسي والأمني المدروس.
بقلم|شاهر الشاهر
تُعدّ منطقة الشرق الأوسط أحد أهم الميادين التي تختبر من خلالها الصين قدرتها على المواءمة بين متطلبات "الصعود السلمي" ومقتضيات "الحضور الاستراتيجي"، فهذه المنطقة تمثل مصدراً حيوياً للطاقة وسوقاً واسعة للاستثمارات والبنى التحتية، ومسرحاً متشابكاً لتنافس القوى الكبرى.
الصينيون عينهم على المنطقة، ومصالحهم فيها تتعاظم، تتبع الصين "سياسة خلق الانطباع"، بأنها "دولة صاعدة" تسعى لتراكم قوتها، وتعمل على تجنب الخوض في صراعات خارجية، والعرب يرون أن الدولة الصاعدة أفضل من الدولة المهيمنة. ومن هنا، برز السؤال: هل الصين شريك اقتصادي، أم فاعل يسعى إلى إعادة صوغ قواعد التفاعل الدولي.
في عام 1978، ناقش الصينيون فكرة "لماذا لا نكون أغنياء"، فمصدر الغنى هو البشر بعقلهم وأذرعهم، وليس بالضرورة الثروات الطبيعية، فالصين دولة فقيرة بثرواتها غنية بشعبها.
الصراع بين الصين وأميركا صراع مفتوح، وكل اللقاءات بين الجانبين لم تنتج سوى "تسويات مؤقتة" تخدم التوجهات الصينية التي ترى أن "الوقت مكسب صلب لبكين". وبالتالي، فإنه كلما استطاعت الصين تأجيل المواجهة مع الولايات المتحدة كلما قلّلت من خسائرها (فيما لو كانت المواجهة بين الجانبين حتمية).
تاريخ الولايات المتحدة وسلوكها السياسي يجعلان من شبه المؤكد أنها لن تتنازل عن صدارة المشهد الدولي إلا بالقوة، وهو ما تحاول بكين التلاعب عليه باستخدام أنماط جديدة من القوة، مثل "القوة الذكية"، منطلقة من فكرة مفادها أنه "إذا كان السلاح النووي هو مصدر القوة في القرن العشرين، فإن الذكاء الاصطناعي هو سلاح هذا القرن"، وكل المؤشرات تشير إلى تفوّق الصين على الولايات المتحدة في هذا الإطار.
اللقاء الذي جمع الرئيسين ترامب وشي في قاعدة بوسان العسكرية في كوريا الجنوبية في 30 أكتوبر 2025، لم يستمر لأكثر من 90 دقيقة، رغم أنه كان من المتوقع أن يستمر لأربع ساعات، وبالتالي فإن "الهوة" بين الجانبين يبدو أنها كبيرة.
مبالغات ترامب وترحيبه الزائد بالرئيس شي قابلتها كلمات مقتضبة من الرئيس الصيني تحدثت عن أن "تنمية الصين لا تتعارض مع رؤية الولايات المتحدة في جعل أميركا عظيمةً مجدداً"، وأن وجود بعض الاحتكاكات بين أكبر اقتصادين في العالم أمر طبيعي، وأن على زعيمي البلدين توجيه العلاقات الثنائية نحو المسار الصحيح.
الصين فيها أكبر "قطاع عام" في العالم، وأكبر استثمارات خاصة، فهي دولة استطاعت أن تمزج بين مختلف النظم الاقتصادية الدولية، مستفيدة من إيجابيات كل نظام، ومبتعدة عن سلبياته.
تدرك الصين أن منطقة الشرق الأوسط كانت تاريخياً منطقة نفوذ أميركي أولاً، وروسي ثانياً. تسعى بكين إلى تعزيز نفوذها في المنطقة عبر بناء الشراكات مع دوله، لا عبر التدخلات العسكرية، وتطمح لأن تكون "قوة موازنة".
ترى الصين أن الواقع السياسي والجيوسياسي للمنطقة غير مستقر، وبالتالي فإن الانخراط فيها سيكون كمن يقف على رمال متحركة. فالصراعات في المنطقة تحمل بعداً دينياً في كثير من الأوقات، وهو ما يجعل حلّها أصعب، كما أن بعض الأطراف تسعى لجعل الصراع "صراعاً صفرياً".
نفسياً واجتماعياً الصين منحازة إلى العرب، لكن مصالحها كبيرة مع "إسرائيل"، وتعتمد عليها في بعض القضايا التقنية، لكن ذلك لم يمنع الصين من اتخاذ مواقف واضحة داعمة للشعب الفلسطيني.
كثيراً ما تحدثت الصين عن أن أبناء منطقة الشرق الأوسط هم أسيادها، وبالتالي يجب حلّ أزماتها من دون تدخلات خارجية. كما أنها تؤكد دوماً أن التدخل الخارجي (الأميركي) هو السبب الرئيسي للتوترات في المنطقة، كما في باقي دول العالم.
البعد الديني حاضر في السياسة الصينية تجاه دول المنطقة، وهناك مخاوف من "الجهاد الأخضر"ضد الصين، إذ إن "العاطفة الدينية" أقوى من "العاطفة الوطنية" لدى المسلمين.
مشكلة الصين ليست مع الدين الإسلامي، بل مع "الآيغور" باعتبارهم مسلمين، ولو كانوا مسيحيين مثلاً لكانت هذه المشكلة موجودة. مع الإشارة إلى أنه يوجد عشر قوميات مسلمة في الصين ولا يوجد أي مشكلة بين المسلمين من باقي القوميات والحكومة الصينية.
لا تسعى بكين إلى "التدافع" مع الولايات المتحدة في المنطقة، أما فكرة "الصدام" فهي غير واردة. وتسعى إلى "ملء الفراغ" و"الاستثمار في الهوامش"، وتدرك أن الانفتاح العربي على الصين لم يكن استراتيجياً، بقدر ما هو رد فعل على إعطاء إدارة بايدن ظهرها للدول العربية.
تقدم الصين خطاباً هادئاً لكنه لم يعد مقبولاً من دول المنطقة، باعتباره لا يعبّر عن سلوك دولة عظمى. وبالتالي، لا يمكن التعويل عليها كـ "حليف"، إذ هي تبحث عن شركاء لها في المنطقة لا حلفاء.
أميركا كانت حليفاً موثوقاً ومجرباً في الدفاع عن حلفائها (حرب الكويت نموذجاً)، وكذلك كانت روسيا حين تدخلت في سوريا (لكن هذه النظرة تغيّرت بعد سقوط النظام وانشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا)، أما بكين فليست أكثر من شريك تجاري.
الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أظهرت ضعف التحالفات بين الدول العربية وأميركا، وأكدت أن لا حليف للولايات المتحدة في المنطقة سوى "إسرائيل".
تركز الصين على مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول لطمأنة دول المنطقة، كما تركز على تاريخها اللا استعماري (الصين لم تحتل أحداً)، لكن ذلك لا ينفي أن منطقة الشرق الأوسط باتت جزءاً من "الحدود الشفافة" لبكين، إذ باتت معنية بالدفاع عن مصالحها فيها.
تسعى الصين لنشر "الطاقة المتجددة" في العالم، (باعتبارها تتمتع بالدور الريادي فيها مع دول الاتحاد الأوربي)، لمنافسة أميركا وروسيا والسعودية وقطر وغيرها من الدول التي تسيطر على قطاع (الطاقة التقليدية)، وهو ما يثير حفيظة تلك الدول، ويؤثر على "سياسة البترودولار" الداعمة للدولار الأميركي.
منطقة الشرق الأوسط هامة للصين (مصادر الطاقة- الأسواق- طرق التجارة)، لكن بكين باتت تبحث عن بدائل، (استثمارات نفط وغاز مسال صينية في القطب الشمالي). كما أوجدت طرقاً بديلة لتجارتها، "طريق البحر الشمالي عبر روسيا إلى أوروبا"(فمثلاً: تحتاج حاويات الصين إلى ألمانيا عبر قناة السويس 34 يوماً، بينما تحتاج إلى 23 يوماً فقط عبر طريق البحر الشمالي).
تصنع الصين "احتياجات" لا منتجات، وبالتالي لا يمكن الاستغناء عنها، بمعنى أن العالم بات بحاجة إلى الصين أكثر من حاجتها إليه، خصوصاً أن حجم السوق الداخلية الصينية ضخم جداً.
الصين قوة إقليمية وليست قوة عالمية، ولكي تصبح قوة عالمية يجب أن تهيمن على إقليمها أولاً، ثم تنطلق نحو العالم. وهو ما تسعى الولايات المتحدة لمنعه عبر نسجها طوقاً من التحالفات في منطقة بحر الصين الجنوبي.
الصين الشعبية بوصفها "قوة صاعدة" تمارس إعادة تعريف مستمرة لعلاقاتها بالعالم، ولأدوارها في النظام الدولي الجديد، وتحوّلت إلى فاعل استراتيجي متعدد الأبعاد يسعى إلى صوغ نموذج بديل في إدارة المصالح، وتقديم مقاربة مغايرة لمفاهيم السيادة والانخراط والتعاون الدولي.
الصين مهتمة بالاقتصاد، وترى أن قوتها الاقتصادية ستزيد من نفوذها، تصعد اقتصادياً ثم تصبح مهيمنة (من الثروة إلى القوة).
السياسات الصينية تجاه المنطقة ليست مجرد ردّ فعل ظرفي، بل تُعبّر عن تحوّل تدريجي من نهج الحياد الاقتصادي إلى نمط الانخراط السياسي والأمني المدروس، ضمن رؤية متكاملة تجمع بين الاقتصاد والأمن والدبلوماسية والثقافة.
تحليل الخطاب الصيني يدل على أنها دولة لا تسعى إلى الهيمنة، لكنها يجب أن تهيمن لتحقق أهدافها. ولا تسعى لبناء "تحالفات صلبة"، فتحالفاتها تجارية مصلحية.
ترى الصين أن الدولة يجب أن تتصرف مثل الماء إذا اعترضته صخرة لا يعاندها بل يلتف حولها. ويطبّق الصينيون عقيدة سون تزو: "ضرب العدو في مراكز الضعف، لا في مواقع القوة" كما كان يرى كلاوزفيتز.
ختاماً:
التعاون مع الصين مهم بالنسبة إلى دول المنطقة، لكن التعويل عليها كحليف "خطيئة استراتيجية"، فالصين لديها مشروعها الذي لا تريد الابتعاد عن تحقيقه، مهما كانت الأسباب. وتبقى استراتيجية "تنويع الشراكات" هي الاستراتيجية الأجدى لدول المنطقة، والسعي لكي لا تكون منطقتنا "مكسر عصا" في الصراعات بين القوى العظمى.