أوروبا تنأى بنفسها وتصطف إلى جانب مبادرة صينية

2026/04/04

أوروبا لم تعد تنظر إلى التدخلات العسكرية الأميركية على أنها تخدم الأمن الأوروبي تلقائياً، بل اختارت بدلاً من ذلك الاعتماد على النفوذ الدبلوماسي الصيني والقمم الأوروبية المستقلة.

بقلم|هدى رزق|| باحثة في الشأن التركي والإقليمي

انضمت الصين إلى باكستان في مبادرة وساطة تهدف إلى فتح "نافذة حوار" بين طهران وواشنطن، فهي لطالما كانت الدرع الواقي لمنع صدور قرارات دولية تدين إيران في مجلس الأمن. و"الشريك الاستراتيجي" لها حيث تتقاطع مصالحه معها في منع انهيار الاقتصاد العالمي.

لم يسفر اجتماع باكستان في أواخر شهر آذار عن انفراجة ملموسة، إيران اعتبرت شروط ترامب "مرفوضة" تحت الضغط العسكري، أما الدول الأربع المجتمعة، السعودية ومصر وتركيا وباكستان، فعملت كل واحدة منها على  ضمان مصالحها من دون النظر إلى المصلحة العامة، وأبدت إيران تحفظاً على استضافة إسلام آباد للمفاوضات المباشرة بينها وبين أميركا.

 كانت بكين قد رفضت طلباً صريحاً من ترامب لإرسال سفن حربية لتأمين مضيق هرمز ضمن تحالف دولي، معتبرة أن الأزمة "صناعة أميركية" ناتجة عن التصعيد مع إيران. لكنها تواصل اتصالاتها مع "الأطراف المعنيين" بالتحديد مع إيران لخفض التصعيد، معتمدة على علاقاتها الاقتصادية القوية مع طهران كأداة ضغط لا تملكها واشنطن.

نجحت في تصوير نفسها كـ "وسيط سلام" محايد مستشهدة بنجاحها السابق في الوساطة بين السعودية وإيران. إلا أنها تنظر إلى تحركات ترامب بريبة، وترى أن انخراط ترامب في صراعات الشرق الأوسط "يُغرق" الولايات المتحدة في استنزاف عسكري جديد، وأن سياسات "أميركا أولاً" والتعرفات الجمركية التي يفرضها ترامب تضرب نمو الاقتصاد العالمي وتزعزع استقرار سلاسل التوريد.

ورغم ادعاء ترامب أن مضيق هرمز لا يؤثر على أميركا لكونها مصدراً للطاقة، ترى الصين في الحرب على إيران "مقامرة خطيرة"؛ فارتفاع أسعار النفط عالمياً ليتجاوز 115 دولاراً يضر بكافة القوى الاقتصادية، بما فيها أميركا عبر التضخم الداخلي.

 مضيق هرمز: نقطة الضعف والضغط

لا شك بأن الصين هي الأكثر عرضة للخطر تقنياً، حيث يمر حوالى 40% من وارداتها النفطية عبر المضيق. إلا أنها ركزت على إظهار "كفاءة مواردها الذاتية" وزيادة إنتاجها المحلي والاعتماد على المخزونات الاستراتيجية لتحدي ضغوط ترامب، بحسب بيانات الإحصاء الوطني الصيني.

ينظر بعض التحليلات الغربية إلى الصين كلاعب "انتهازي، إذ تراقب تراجع النفوذ الأميركي عالمياً، معتبرة أن سياساته تسرع من التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب تكون هي مركزه الاقتصادي.

تلعب دوراً كونها المشتري الأكبر للنفط الإيراني، حيث يمر حوالى 80% من صادرات إيران النفطية عبر مضيق هرمز باتجاه الصين. وأي صدام  يؤدي إلى إغلاق المضيق بشكل دائم يعني "انتحاراً اقتصادياً" لطهران قبل أن يكون ضرراً لبكين.

أكد وزير الخارجية الإيراني أن الدول التي يمكنها المرور هي الصين وروسيا والهند عبر ممرات محددة رغم التوترات. هذا يعكس استجابة إيرانية لطلب الصين بحماية سفنها وتجارتها. الاستثمارات الصينية الموعودة بقيمة 400 مليار دولار تجعل من بكين الطرف الوحيد القادر على "ترميم" ما دمرته الحرب أو العقوبات، ما يمنحها ثقلاً كبيراً في كواليس القرار الإيراني.

ما هي حدود التأثير الصيني على إيران

بكين هي القوة الكبرى الوحيدة التي ترفض علناً أي توجه أميركي لتغيير النظام وتدعم "سيادة إيران". بينما تضغط لفتح المضيق أمام الملاحة الدولية لتأمين احتياجاتها من غاز قطر (الذي يمثل 30% من وارداتها)، تظل إيران حذرة من تقديم تنازلات مجانية لترامب قد تُفسر على أنها ضعف.

يعتبر المضيق المنفذ الوحيد لمعظم دول الخليج، لذلك، الإغلاق "بوجه الأعداء" يخلق اختناقاً للجميع. توقفت صادرات الغاز المسال القطرية مؤخراً بعد تعرض منشآت في "رأس لفان" لهجمات، ما أثر على إمدادات الطاقة لباكستان وبنغلادش والهند. تعتمد الكويت والبحرين والعراق بشكل شبه كلي على المضيق لتصدير نفطها واستيراد 70% من احتياجاتها الغذائية. حيث تسبب الإغلاق الجزئي في "أزمة أمن غذائي" وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

وخلافاً لادعاء الرئيس ترامب بأن أميركا لا تتأثر، تظهر التقارير أن ارتفاع أسعار البنزين وصل بالغالون في أميركا إلى 4 دولارات تقريباً. لأن النفط سلعة عالمية تتأثر أسعارها في نيويورك وتكساس بما يحدث في هرمز. ويمر كذلك ثالث إنتاج العالم من الأسمدة عبر المضيق، ما يهدد المزارعين الأميركيين بتكاليف إنتاج باهظة وأزمة غذاء عالمية.

يمكن الاستنتاج أن إغلاق المضيق "فقط أمام الأعداء" هو من الناحية العملية إغلاق شبه شامل؛ لأن شركات التأمين العالمية ترفض تغطية أي سفينة تقترب من منطقة النزاع، ما يجعل الضرر يمتد من اليابان شرقاً إلى أوروبا غرباً، مروراً بدول الجوار الخليجي.

 استراتيجية  ترامب "التفاوض تحت النار"

ترامب لا يتبع الدبلوماسية التقليدية؛ هو يعتمد استراتيجية "الضغط الأقصى العسكري".

وهو هدد بهدم البنية التحتية، لا لاحتلال إيران، بل لإيصال النظام إلى نقطة "الانهيار الاقتصادي الشامل" ليجبره على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروطه الـ 12 القديمة/الجديدة. إلا أن إيران ترد بـ "الصمود الاستراتيجي"، مدركة أن ترامب مقيد داخلياً بوعوده الانتخابية بعدم الدخول في "حروب أبدية".

يبدو أن ترامب بدأ يدرك أن "تغيير النظام" في إيران بعيد المنال ومكلف، لكنه يريد أن يثبت لبكين أن أميركا لا تزال "شرطي المرور" في أهم ممر مائي بالعالم، حتى لو لم تكن بحاجة إلى نفطه.

حتى الآن، تظهر إيران ثباتاً يربك حسابات البيت الأبيض. طهران تراهن على أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً والضغط الشعبي داخل أميركا بسبب التضخم، يضغط على الرئيس للذهاب الى اتفاق.

ترامب حالياً يرفع الرهان (الحشد العسكري) قبل أن ينقلب الاقتصاد العالمي ضده.

خسرت إيران أجزاء مهمة من بنيتها التحتية، لكن حساباتها العقلانية تغيرت، ترى طهران أنه "لا يوجد الكثير لتخسره" بعد الآن. الاستسلام الكامل يعني ضياع التضحيات والخسائر من دون ثمن سياسي، لذا فإن "حافة الهاوية" تصبح خياراً وجودياً.

هدف إيران هو إجبار ترامب على التراجع أو القبول بتسوية "الند للند". نجاحها في إبقاء مضيق هرمز تحت التهديد رغم القصف الأميركي يعتبر في حد ذاته "انتصاراً معنوياً" يكسر صورة التفوق المطلق لأميركا.

إذا استمر ترامب  في التدمير من دون تحقيق "صفقة"، سيبدو أمام الناخب الأميركي كقائد "فاقد للتوازن" ورط البلاد في حرب بلا أهداف واضحة وهو تحديداً ما وعد ناخبيه بإنهائه. "تدمير إيران" لا يعني استقرار الأسواق؛ بل يعني استمرار اشتعال أسعار النفط، ما يغذي التضخم في أميركا ويضرب شعبيته مباشرة.

بينما يغرق ترامب في "المستنقع الإيراني يرى المحللون أنه، بمواصلة التدمير العبثي، يقدم للصين "هدية جيوسياسية" عبر إضعاف حلفاء أميركا في المنطقة وتشويه صورتها كضامن للاستقرار العالمي.

الأوروبيون والنأي بالنفس بعد خطاب ترامب

يُظهر المشهد الجيوسياسي الحالي اتساعًا في الفجوة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين التقليديين بشأن الحرب مع إيران.

اتخذ الرئيس الفرنسي ماكرون موقفا حازماً، مصرحاً بأن فرنسا لن تنجر إلى الصراع. رفضت المشاركة في العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة لفتح مضيق هرمز، مع إعطاء الأولوية لخفض التصعيد. وكانت فرنسا  قد منعت طائرات الإمداد العسكرية الأميركية المتجهة إلى "إسرائيل" من استخدام المجال الجوي الفرنسي.

في حين رفض ماكرون التحالف الأميركي، اقترح أن فرنسا قد تشارك في مهام مرافقة منفصلة للسفن التجارية فقط بمجرد أن "يهدأ" الوضع.

أما المستشار الألماني فريدريش ميرز فأعرب عن قلقه البالغ إزاء التداعيات الاقتصادية، محذراً من أنها قد تتجاوز تأثير جائحة كوفيد-19.  وحث ترامب على إنهاء الصراع، مسلطاً الضوء على خطر ارتفاع أسعار الطاقة الذي قد يزعزع استقرار الأسواق العالمية. شكك علنًا في ما إذا كانت الولايات المتحدة و"إسرائيل" لديهما استراتيجية خروج واضحة، وأكد أن ألمانيا لن ترسل سفنًا حربية إلى مضيق هرمز.

 تتطلع ألمانيا، إلى جانب دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، بشكل متزايد إلى الصين لممارسة نفوذها الاقتصادي الفريد على إيران لمنع الإغلاق الكامل للمضيق.

ويحاول رئيس الوزراء كير ستارمر تحقيق توازن معقد، حيث يعطي الأولوية للمصالح الوطنية والاقتصادية البريطانية مع إبعاد المملكة المتحدة عن القتال المباشر.

أشار ستارمر إلى أن تقلبات الحرب هي سبب يدفع المملكة المتحدة إلى السعي لإقامة علاقات اقتصادية وأمنية أوثق مع الاتحاد الأوروبي بدلاً من اتباع واشنطن بشكل صارم.

نهج ترامب تجاه حلف الناتو يأتي بنتائج عكسية خلال هذه الأزمة. فبرفضها الانضمام إلى "تحالف الراغبين"، تُشير أوروبا فعلياً إلى أنها لم تعد تنظر إلى التدخلات العسكرية الأميركية على أنها تخدم الأمن الأوروبي تلقائياً، بل اختارت بدلاً من ذلك الاعتماد على النفوذ الدبلوماسي الصيني والقمم الأوروبية المستقلة لحماية التجارة العالمية.

 

أخترنا لك
الكونغرس لتأسيس مجموعة عمل «لمراقبة برنامج إيران النووي»

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة