عقدة لبنان بعد إيران.. "فصل الجبهات" يصطدم بـ"وحدة الساحات"؟ (1)

2026/04/04

هل بإمكان ترامب أن يلزم "إسرائيل" بإيقاف الحرب في لبنان بعد توقفها في إيران؟ ماذا لو استمرت إسرائيل فاستمرّت إيران في الإسناد، هل يستطيع ترامب الانفكاك من شريكه؟

بقلم| علي فواز| صحفي

لا يقتصر التعتيم الإسرائيلي على الخسائر البشرية والأضرار الميدانية وما تصيبه الصواريخ فقط، بل يشمل غياب الرؤية الواضحة حول أفق العملية العسكرية في جنوب لبنان وكيفية فصلها عن جبهة إيران. بقدر ما يسود الغموض جبهة إيران - رغم ما أدلى به الرئيس الأميركي أخيراً حول مهلة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع لإنهاء الحرب - فإن عدم اليقين يطغى على جبهة لبنان، حيث لا مخارج إلا بانتصار إرادة على أخرى.

الهوة الواسعة التي تحول دون تجسير الشروط المتقابلة بين إيران وأميركا، وتجعل من الصعب وضع تصور لنهاية الحرب، لا تقل عن تلك التي تفصل بين أهداف "إسرائيل" المعلنة في لبنان ومطالب حزب الله. بل إن الأمور شديدة التعقيد في لبنان تنحو باتجاه الاستعصاء مهما تقلّبت الاحتمالات والسيناريوهات.

ماذا لو انسحب دونالد ترامب فجأة من الحرب على إيران من دون اتفاق؟

رغم أن السؤال إشكالي بحد ذاته انطلاقاً من تداعياته السلبية على إدارة ترامب إلا أنه يبقى ضمن دائرة الاحتمالات النظرية التي قد لا تكون الأسوأ بين سائر الاحتمالات. في هذه الحالة: هل تتبعه إسرائيل تلقائياً، أم أن جبهة لبنان لها منطقها المختلف؟

جبهة الجنوب: بوابة "الشرق الأوسط الجديد"

صحيح أن "إسرائيل" ترى أن الخطر الوجودي عليها يكمن في إيران حيث "رأس الأخطبوط" - على حد تعبير نتنياهو - لكن الحرب في جبهة لبنان ليست أمراً هامشياً. هي جبهة ثانوية من منطق أولويات المعركة الدائرة حالياً والخطط الإسرائيلية التي وُضعت مسبقاً، لكنها ليست ثانوية لا من زاوية الأمن القومي الإسرائيلي ولا بعد "طوفان الأقصى".

مثّلت "الجبهة الشمالية" إحدى مفاجآت الحرب من خارج دائرة الحسابات الإسرائيلية. التخمينات التي سادت قبيل الحرب باتت صفحات من التاريخ. اتخذ القرار، وألقى المعسكر الأميركي الصهيوني ما عنده من أسلحة وخطط وعمليات وتقديرات مسبقة واحتمالات وحسابات. نحن الآن في مرحلة حصاد البيدر.

على تخوم فلسطين المحتلة، لطالما مثّل حزب الله رأس حربة محور المقاومة ووُصف "بدرة تاجه"، وهو الأقرب إلى التماس المباشر مع المشروع الصهيوني الذي لم يعد بعد السابع من أكتوبر قادراً على التعايش مع مخاطر كامنة عند تخومه.

المشكلة تتعدى التبجح الذي ساد الساحة الإسرائيلية طوال فترة الـ15 شهراً الماضية حول الإنجازات الأمنية والعسكرية في لبنان. التقديرات الخاطئة والترويج المزيف لصورة النصر التي اتضح أنها ليست سوى لحظة مؤقتة، يزيدها سوءاً أن حزب الله هو من بادر إلى التصعيد والانخراط في الحرب الحالية، منهياً بذلك الحرب من طرف واحد التي سادت طوال أشهر. هذا لا يُحتمل من منظور إسرائيلي وله حساب خاص مختلف عما يدور في الدائرة الأوسع.

يمثل لبنان بالنسبة إلى "إسرائيل" بوابة مشروع "الشرق الأوسط الجديد"؛ المشروع الذي أريد له أن يولد عام 2006 من جنوبي لبنان، وتراءى لحكام إسرائيل لبعض الوقت أخيراً أنه جرى إحياؤه من جديد.

الهيمنة على لبنان تمر حكماً بالسيطرة الأمنية على جنوبه وتجريده من السلاح وإخضاعه. من دون هذه البوابة يتعذّر أن تتوسّع "إسرائيل الكبرى".

لكن هذه البوابة، مثل الباب الدوار، تفتح باتجاهين. لذا فإن أي تمدّد أو سيطرة إسرائيلية تستعصي هناك بفضل الدعم الإيراني، لا تهدد فقط الاستيطان شمالي الكيان، ولا تقوّض فقط مشروع "إسرائيل الكبرى" والهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، إنما أيضاً "إسرائيل الصغرى" بمستقبلها وأمنها.

هل تعود "إسرائيل" إلى مربع 8 أكتوبر؟

يندرج عمل الطرف الإسرائيلي وفق مبدأ "فصل الجبهات"، وهو أمر أتى ذكره صراحة على لسان أكثر من مسؤول إسرائيلي. في المقابل، يعمل محور المقاومة وفق رؤية "وحدة الساحات" وتكاملها، وربط إنهاء الحرب على أي جبهة بإنهائها على كل الجبهات.

سبق أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية، طوال شهر آذار/مارس الماضي، أن الحرب على لبنان طويلة ومستمرة، حتى لو توقفت الحرب على جبهة إيران. ومع تتابع الأخبار الميدانية التي تعكس استعصاءً إسرائيلياً في جنوب لبنان بالتوازي مع انهماك الجبهة الداخلية بالصواريخ، تتوالى التقارير التي بدأت تطفو على سطح الإعلام الإسرائيلي – محكم الرقابة عادةً – حول الخسائر والتعثر بما يحتمل أن يكون محاولة تمهيد أمام الرأي العام الإسرائيلي حول الصعوبات. هنا يتجلى مأزق إسرائيلي آخر، بمعزل عن النتائج والتبعات التي ستفضي إليها حربها على إيران عند انتهائها، وإذا انتهت قريباً.

لكن السؤال الحاسم: هل بإمكان ترامب أن يلزم شريكته "إسرائيل" بإيقاف الحرب في لبنان بعد إيران؟ ووفق أي شروط؟ وماذا لو استمرت إسرائيل في الحرب وواكبتها إيران في إسناد لبنان، هل يعود ترامب مجدداً إلى التورّط ويجد صعوبة في الانفكاك من شريكه؟

تتعقد المسألة لأنها لم تعد مرتبطة فقط بالإرادة الأميركية ولا بالرغبة الإسرائيلية، فيما تبقى من منظور إسرائيلي مسألة شديدة الخطورة وقد ترتقي إلى مصاف الأزمة الوجودية تبعاً لمعطيات الميدان.

سيكون للهزيمة في لبنان تداعيات من شأنها أن تعيد "إسرائيل" إلى اليوم التالي لعملية طوفان الأقصى. من الصعب أن تبتلع الأخيرة العودة كرهاً إلى مربع 8 أكتوبر، وإن عادت، فسوف تعيد المشروع الصهيوني إلى سؤال الوجود وتُحيي عقدة الثمانين.

ماذا قالوا؟

أمام خطورة الواقع المشار إليه سابقاً وفي سياقه يمكن قراءة التصريحات الإسرائيلية التي صدرت خلال آذار/مارس الماضي وتؤكد التوجه نحو فصل الجبهة اللبنانية عن أي تسوية محتملة مع إيران.

في 31 آذار/مارس الماضي، جدّد بنيامين نتنياهو إصراره على "فصل" المعركة مع لبنان عن المعركة مع إيران، مكرّراً أن "وقف إطلاق النار في لبنان يجب أن يكون قراراً مستقلاً من إسرائيل". كما وجّه بتوسيع "المنطقة الآمنة" جنوب لبنان، مؤكداً العزم على "تغيير الوضع على الجبهة الشمالية بشكل جذري".

صحيفة "فايننشال تايمز" ذكرت قبل ذلك وفي وقت مبكر أن "إسرائيل تستعد لحرب ممتدة في لبنان تتجاوز حرب إيران". وفي بداية الحرب، أعلن رئيس أركان "جيش" الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير أن "المعركة لن تتوقّف حتى يتم تجريد حزب الله من سلاحه". وأكد زامير، خلال جلسة للمصادقة على خطط المرحلة اللاحقة، أنه مع انتهاء المعركة في إيران "سيبقى حزب الله وحده ومعزولاً"، وأن المعركة ضده طويلة والجيش مستعد لها.

نقلت وكالة "رويترز" في 6 آذار عن مصدر مطلع على الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية قوله إن الهجمات الإسرائيلية على حزب الله ستستمر على الأرجح بعد انتهاء الحرب الجوية على إيران، ووصف الجبهتين بأنهما غير مرتبطتين. وقال مصدر أمني إسرائيلي في 18 آذار/ مارس إن الهجمات على جنوب لبنان "ستستمر حتى الصيف إذا لزم الأمر".

لكن سرعان ما ظهرت التناقضات والمزاودات. وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي ألمح في الأيام الأولى للحرب إلى تحويل الضاحية الجنوبية لبيروت إلى "خان يونس"، قال: "نهر الليطاني يجب أن يكون هو الحدود بيننا وبين لبنان. مثلما نسيطر على 55% من غزة، علينا أن نفعل ذلك في لبنان".

من جهته، قال وزير الأمن يسرائيل كاتس: "سنقيم منطقة عازلة في جنوب لبنان وسنبقي سيطرتنا على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني. لن يتمكن 600 ألف من سكان جنوب لبنان تم إجلاؤهم من العودة حتى ضمان سلامة سكان شمال إسرائيل. سندمر جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود في لبنان. في ختام العملية العسكرية، سيتموضع جيشنا داخل جنوب لبنان بمنطقة أمنية حتى نهر الليطاني. سنغير الواقع في لبنان عبر وجود أمني للجيش الإسرائيلي في المواقع المطلوبة مع ردع كامل كما في سوريا وغزة. سنعمل على تغيير الوضع على حدودنا مع لبنان مرة واحدة وإلى الأبد".

لكن بعد دقائق فقط على هذا التصريح الذي أدلى به كاتس يوم 31 آذار، سارع جيش الاحتلال إلى التوضيح بأن لا نية للعودة إلى "الحزام الأمني" في لبنان، مؤكداً أن الهدف ليس تدمير جميع القرى اللبنانية الحدودية بل تطهيرها واستهداف البنى التحتية لحزب الله.

وفي ما يشبه عملية التنقيح عاد كاتس وصرح في 3 نيسان/أبريل الماضي أن الأولوية القصوى هي تفكيك سلاح حزب الله "بالوسائل العسكرية والسياسية".

هل بدأ الخلاف؟

مقابل السقوف التي بلغتها التصريحات الرسمية وأحياناً العسكرية حول أهداف العملية في لبنان، برزت توضيحات محدّثة في ما يشبه إعادة تصويب الأمور.

في 23 آذار/مارس المنصرم نقلت القناة 12 عن قائد المنطقة الشمالية قوله: "لن تنتهي الحرب بالاستسلام من قِبل حزب الله. من يظن أنه سيكون هناك حزام أمني أو أن حزب الله سيتم تجريده من سلاحه، فهذه ليست خطط الجيش الإسرائيلي. للجيش الإسرائيلي خطط طويلة المدى في لبنان، لكن في النهاية ليس كل شيء يُحدد داخل إسرائيل بالنسبة للشرق الأوسط".

كما توقع تقدير صادر عن "معهد القدس للاستراتيجيا والأمن" أن هدف نزع سلاح حزب الله لا يزال بعيد المنال، إذ يُعد تحقيقه الكامل منخفض الاحتمال في المرحلة الحالية.

هذا التباين يعكس ارتباكاً داخل أروقة صنع القرار الإسرائيلي، حيث يبدو أحياناً أن المستوى السياسي يرفع سقوفاً لا يستطيع الجيش تحقيقها، أو أن الجيش بات يدرك حقائق ميدانية يتجنّب السياسيون الاعتراف بها، ويعدّل الجيش خططه وخطابه على أساسها.

في هذا السياق أوردت إذاعة "جيش" الاحتلال قبل أيام قليلة أن الأخير اعترف بأن التصريحات السابقة التي تحدثت عن "نزع" سلاح حزب الله كهدف للحرب كانت "طموحة أكثر من اللازم". ونقلت قناة 12 الإسرائيلية بدورها عن مصادر عسكرية قولها إن "نزع" سلاح حزب الله ليس ضمن أهداف الجيش في هذه المرحلة، وهو ما يتناقض تناقضاً كاملاً مع كل التصريحات السابقة.

ليست المرة الأولى التي يطفو فيها هذا التفاوت على السطح بين المستويين السياسي والعسكري. إثر المفاجأة التي فجرها حزب الله بدخوله الحرب على النحو والاستعداد الذي لم يكن متوقعاً، سادت معركة تسريبات في الصحافة الإسرائيلية تشبه ما حدث غداة عملية 7 أكتوبر، لكن بشكل مصغّر. كشفت التسريبات محاولة كل طرف التنصل من مسؤولية فشل التقديرات والتصرّف إزاء تعافي حزب الله وترميم قدراته التي اتضح أنها كافية لتغيير المعادلة.

وبعد أكثر من شهر على بدء "إسرائيل" والولايات المتحدة عدوانهما تشير القناة 12 إلى أن إطلاق النار من حزب الله باتجاه حيفا لا يتراجع، بل على العكس يتصاعد. وفي موقف لافت حذرت القناة سكان الشمال من أن رئيس الحكومة ووزير الحرب ورئيس الأركان "يخدعونهم علناً".

هذا يعيدنا إلى مسألة الهوة الواسعة بين مطالب حزب الله والأهداف الإسرائيلية. صحيح أنه من الصعب تخيّل ردمها والوصول إلى خاتمة للحرب وفق ما يحكم إسرائيل من معادلات وما يحكم حزب الله من ظروف تجعل عسيراً على أي من الطرفين تليين مواقفه، لكن الأمر لا يتعلق بطرفين فقط، بل بمحورين متقابلين.

هنا تتعقد الأزمة، لكن الحل إذا جاء فإنه سيخضع حتماً إلى المعادلة الميدانية والاقتصادية في الحرب الأوسع التي تتخذ طابعاً جيواستراتيجياً.

 

 

أخترنا لك
من المثقف ؟ ومعنى الثقافة

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة