قراءة في استهداف "نيؤوت حوفاف": حين تتحوّل العقدة الصناعية إلى نقطة ضعف استراتيجية

2026/04/04

بقلم|  قسم الشؤون الإسرائيلية في قناة الميادين

سُجّل سقوط صاروخ بالستي إيراني في المنطقة الصناعية "نيؤوت حوفاف" جنوب بئر السبع، مستهدفاً منشأة حساسة تابعة لشركة "أدما" العاملة في الصناعات الكيميائية والزراعية. ما أهمية الحدث الاستراتيجية؟

في تطور ميداني لافت ضمن سياق التصعيد، سُجّل سقوط صاروخ بالستي إيراني في المنطقة الصناعية "نيؤوت حوفاف" جنوب بئر السبع، مستهدفاً منشأة حساسة تابعة لشركة "أدما" العاملة في الصناعات الكيميائية والزراعية، ما أدى إلى اندلاع حريق كبير ووقوع حادث مواد خطرة في واحدة من أكثر البيئات الصناعية كثافة وتعقيداً في النقب.

الحدث وقع قرابة الساعة الـ 15:30، وترافق مع مشهد بصري كثيف تمثل بسحابة دخان سوداء على شكل "فطر"، في مؤشر على طبيعة الانفجار داخل بيئة صناعية تحتوي على مواد كيميائية، وهو ما عزز المخاوف الفورية من سيناريو تسرب مواد سامة أو حدوث انفجارات ثانوية نتيجة تضرر خزانات أو أنابيب غاز.

وبالفعل، أشارت المعطيات إلى تورط مواد خطرة مثل ثاني كبريتيد الكربون (CS₂)، وهو مركب سام وقابل للاشتعال، ما استدعى استنفاراً واسعاً لوحدات المواد الخطرة وتعزيزاً للقوات حتى باستخدام دعم جوي لإخماد الحريق ومنع امتداده إلى منشآت مجاورة .

على المستوى العملياتي، شارك أكثر من 30 طاقم إطفاء إلى جانب فرق متخصصة بالرصد الكيميائي، عملت على احتواء التسربات، تبريد الخزانات، ومنع انفجارات إضافية، في حين فُرضت إجراءات طوارئ مشددة شملت إغلاق الطرق الرئيسية، وتوجيه آلاف العمال والسكان إلى الاحتماء داخل المباني وإغلاق النوافذ وأنظمة التهوية، في مشهد يعكس خطورة الحدث رغم كونه في منطقة صناعية بعيدة نسبيًا عن الكثافة السكنية .

في الوقت الذي تحدثت تقديرات إلى أن الإصابة لم تكن مباشرة بل ناجمة عن شظايا اعتراض أشارت أحد التحقيقات المعلنة إلى أن الأمر يتعلق بصاروخ بالستي برأس حربي يزن 500 كغ وليس صاروخاً عنقودياً، ولا يزال يُفحص سبب عدم اعتراضه فوق طبقة الغلاف الجوي بواسطة منظومة "حيتس".

ما أهمية الحدث الاستراتيجية؟

وأن موقع الضربة كان مستودعاً للمنتجات وليس خطوط الإنتاج، فإن هذا التفصيل لا يقلل من دلالة الحدث، بل يكشف عن هشاشة الحماية أمام سيناريوهات إصابة عرضية في بيئات شديدة الحساسية. كما تم تسجيل إصابات بشرية محدودة نسبياً (31 مصاباً، معظمهم بحالات هلع أو إصابات طفيفة)، وهو ما يعكس نجاحاً نسبياً في إجراءات الوقاية، لكنه لا يلغي خطورة الإمكانات الكامنة في مثل هذه الضربات.

الأهمية الاستراتيجية للحدث تتجاوز الضرر المباشر، إذ يسلّط الضوء على معضلة بنيوية تتمثل في تمركز عشرات المصانع الكيميائية والبتروكيميائية – بما فيها منشآت مرتبطة بالطاقة والغاز والصناعات الدفاعية – ضمن رقعة جغرافية واحدة. هذه البنية تجعل أي إصابة، حتى لو كانت غير مباشرة، قادرة على التحول إلى حدث متعدد الأبعاد يشمل مخاطر بيئية وصحية واقتصادية في آن واحد.

كما يكتسب الحدث بعداً أوسع عند ربطه بسياق متكرر من إصابات مشابهة، سواء في الجنوب أو في خليج حيفا، حيث تتعاظم التحذيرات من أن استمرار تأجيل إخلاء الصناعات الخطرة أو إعادة توزيعها جغرافياً يفاقم من مستوى المخاطر في حال تكرار الضربات.

وبذلك، فإن ما جرى في "نيؤوت حوفاف" لا يُقرأ كحادث موضعي فحسب، بل كمؤشر على قابلية الجبهة الداخلية الصناعية للتعرض لهزات قد تتحول، في ظروف مختلفة، إلى كارثة واسعة النطاق.

شركة "أدما": ركيزة أساسية في قطاع الصناعات الكيميائية الزراعية في "إسرائيل" والعالم

تُظهر المعطيات أن شركة "أدما للحلول الزراعية" ليست مجرد منشأة صناعية عادية، بل تُعد من الركائز الأساسية في قطاع الصناعات الكيميائية الزراعية في إسرائيل والعالم.

وتعد الشركة دولية كبرى، يبلغ حجم إيراداتها نحو 4.1 مليار دولار سنوياً، وتوظف آلاف العاملين عالمياً (نحو 7,600 موظف)، مع حضور إنتاجي واسع في أكثر من 20 موقعاً حول العالم، من بينها موقعان مركزيان في "إسرائيل" في نيؤوت حوفاف وأشدود.

ويعمل في موقع "نيؤوت حوفاف" وحده مئات العمال (يُقدّر بنحو 800 عامل)، كما يضم مركزاً رئيساً للبحث والتطوير، ما يعكس أهميته ليس فقط كمصنع إنتاج بل كمركز تكنولوجي. وتُعد الشركة واحدة من أكبر الشركات عالمياً في مجال حماية المحاصيل، مع محفظة منتجات واسعة تشمل مبيدات وأسمدة تعتمد عليها الزراعة، ما يمنحها وزناً اقتصادياً واستراتيجياً.

كما أن وجودها ضمن منطقة صناعية تضم عشرات المنشآت الكيميائية والطاقوية الحساسة يعزز من خطورة أي استهداف لها، إذ لا يتعلق الأمر بمنشأة منفردة بل بعقدة صناعية حيوية ضمن بنية إنتاجية ذات تأثير مباشر على الاقتصاد وسلاسل الإمداد الزراعي في "إسرائيل".

"نيؤوت حوفاف":  واحدة من أخطر وأهم التجمعات الصناعية في "إسرائيل"

المجلس المحلي الصناعي "نيؤوت حوفاف" أُنشئ عام 1989 باسم "رمات حوفاف"، وفي عام 2013 تم تغيير اسمه إلى "نيؤوت حوفاف". وقد تأسس المجلس بهدف الإشراف على النشاط الصناعي في الحديقة الصناعية البيئية "نيؤوت حوفاف"، والعمل على تطوير المنطقة وتقديم الخدمات اللازمة لتشغيل المصانع.

يقع المجلس على بُعد نحو 12 كيلومتراً جنوب بئر السبع، وفي نطاق نصف قطر يبلغ حوالي 40 كيلومتراً من بلدات يروحام، ديمونا، عراد، ومدينة القواعد التدريبية التابعة لـ "الجيش" الإسرائيلي عند مفترق النقب.

يعمل المجلس في 3 مجالات رئيسية: جودة البيئة، الاستعداد للطوارئ، وتطوير البنية التحتية. ففي مجال البيئة، يعمل المجلس على تعزيز حماية البيئة ومعالجة الأضرار البيئية السابقة، مع الحفاظ على المهنية والشفافية والمسؤولية العامة. وفي مجال الطوارئ والأمن، يطور المجلس خططاً متعددة السنوات لتهيئة المنطقة الصناعية لحالات الطوارئ، بما يشمل التجهيزات وإجراء تدريبات مشتركة والتنسيق مع قوات الأمن والإنقاذ في المنطقة. كما يتولى المجلس مسؤولية صيانة وتطوير البنى التحتية والمرافق العامة. ويضم المجلس لجنة محلية للتخطيط والبناء مسؤولة عن إصدار التراخيص للمصانع والمشاريع، كما يُعد الجهة المخولة بإصدار رخص الأعمال.

يرأس المجلس ممثل عن وزير الداخلية، ويضم في هيئته إلى جانبه 8 أعضاء آخرين: 3 ممثلين عن المصانع الصناعية (أدما مَختشيم، كيميكال إسرائيل – مركبات البروم، وتيفا-تك)، و3 ممثلين عن الجمهور من السلطات المجاورة (بئر السبع، المجلس الإقليمي رمات النقب، والمجلس الإقليمي إشكول)، إضافة إلى ممثلين من وزارتي الاقتصاد والصحة.

المنطقة الصناعية "نيؤوت حوفاف" في النقب تُعد واحدة من أخطر وأهم التجمعات الصناعية في "إسرائيل"، ليس فقط بسبب كثافة المنشآت، بل بسبب طبيعة المواد والنشاطات المرتبطة بها، والتي تجمع بين الصناعات الكيميائية الثقيلة، الطاقة، والأنشطة ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة بالقطاع الأمني والعسكري. وتكمن خطورتها في كونها عقدة صناعية مركّبة، حيث يمكن لأي إصابة أن تُحدث تأثيرًا متسلسلًا واسع النطاق.

في قلب هذه المنظومة، تبرز منشآت ذات طابع استراتيجي واضح. أولها مجمّع إلبيت – الصناعات العسكرية في منطقة رمات بكع المتاخمة لـ "نؤوت حوفاف"، وهو مشروع ضخم على مساحة تقارب 52 ألف دونم، يُخصص لتطوير وإنتاج أنظمة عسكرية متقدمة تشمل الذخائر والتكنولوجيا الدفاعية، ويُعد امتداداً مباشراً للبنية العسكرية الإسرائيلية مع ارتباط وثيق بشركات مثل رافائيل. هذا الموقع تحديداً يُصنف كأحد أخطر الأهداف نظرًا لدوره في إنتاج وتطوير أنظمة السلاح.

إلى جانب ذلك، تبرز شركة رافائيل – أنظمة قتالية متقدمة، وهي من أهم شركات الصناعات العسكرية في "إسرائيل"، وتعمل على تطوير الصواريخ ومنظومات الدفاع النشط، ما يجعل وجودها في هذه البيئة الصناعية عاملًا مضاعفًا للحساسية الأمنية. كما تُعد شركة مِتال تك (Metal Tech) من المنشآت ذات البعد العسكري غير المباشر، حيث تنتج مسحوق التنجستن وكربيد التنجستن المستخدم في تصنيع الذخائر، الدروع، وأدوات القطع، وتُصدر منتجاتها لشركات عالمية مرتبطة بالصناعات الجوية والعسكرية مثل بوينغ وسيكورسكي.

"هدفٌ بالغ الحساسية"

في قطاع الطاقة، تشكل منشآت مثل محطة "أوروت يوسف" (قدرة ~1200 ميغاواط) ومحطة "رمات نِغِف للطاقة" بنية حيوية لتغذية المصانع والمنشآت، بينما تمثل منشآت الغاز والنفط (خطوط الغاز الوطنية، ومرافق تخزين وتوزيع الغاز) عنصرًا بالغ الحساسية، نظراً لإمكانية تحولها إلى مصادر انفجار أو تعطيل استراتيجي في حال إصابتها.

أما في المجال الكيميائي، وهو الأخطر من حيث الأثر البيئي والإنساني، فتضم المنطقة منشآت مثل "تركيبات البروم" (ICL) التي تنتج نحو ثلث الإمداد العالمي من البروم، وهي مادة تدخل في صناعات عسكرية ومدنية حساسة (مثل مثبطات الاشتعال)، إضافة إلى منشآت أدما ولوكسَمبورغ وتيفا-تك التي تتعامل مع مواد كيميائية فعالة ومركبات دوائية، فضلًا عن شركات متخصصة في الغازات الصناعية مثل "غاز تكنولوجيات" و"رينكام" التي تخزن وتوزع غازات ومواد كيميائية تُستخدم في صناعات متقدمة بينها الإلكترونيات والدفاع.

وتُستكمل هذه المنظومة بشبكة من منشآت معالجة النفايات الخطرة مثل الشركة الحكومية لخدمات جودة البيئة وإلكون وإكوسول، التي تتعامل مع نفايات سامة وكيميائية، ما يضيف طبقة إضافية من المخاطر في حال وقوع أي حادث أو استهداف.

هذا التداخل يجعلها هدفاً بالغ الحساسية، حيث إن أي إصابة – حتى لو كانت جزئية أو غير مباشرة – يمكن أن تتحول إلى حدث مركّب يشمل مخاطر انفجارية، تسربات سامة، وتعطيل في سلاسل إنتاج عسكرية واقتصادية، ما يفسر حجم القلق الذي يرافق أي حادث يقع داخل هذا المجمع الصناعي.

 

أخترنا لك
أنشيلوتي ينوي البقاء في ريال مدريد حتى 2024

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة