يتحوّل مضيق هرمز من ممرّ طاقة إلى نقطة اختناق في منظومة الغذاء العالمية. فإغلاقه لا يعني فقط اضطراب إمدادات النفط والغاز، بل تعطيلاً مباشراً لسلسلة تمتد من الطاقة إلى الأسمدة، وصولاً إلى الزراعة والغذاء.
بقلم| زياد ناصر الدين
تُعدّ الأسمدة، في علم الاقتصاد الغذائي، مدخلاً إنتاجياً أساسياً لزيادة خصوبة التربة ورفع إنتاجية المحاصيل، عبر تزويدها بالعناصر الغذائية الضرورية مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم. غير أنّ أهميتها لا تقتصر على الجانب الزراعي، بل تتجاوز ذلك لتشكّل إحدى الركائز الأساسية للأمن الغذائي العالمي، نظراً لارتباطها المباشر بحجم الإنتاج الزراعي واستقراره.
ومن هنا، تُصنّف الأسمدة اقتصادياً ضمن السلع الاستراتيجية، إذ إنّ أيّ تغيّر في أسعارها أو في توافرها ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج الزراعي، ما يؤدّي إلى ارتفاع أسعار الغذاء. وبذلك، ينتقل الأثر سريعاً من المزارعين إلى المستهلكين، خصوصاً في الدول الأكثر هشاشة.
هذا الترابط يضع الأسمدة في قلب معادلة العرض والطلب الزراعي، إذ إنّ أيّ خلل في توافرها لا يؤدّي فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل إلى تراجع الإنتاج نفسه، ما يرفع منسوب المخاطر على الأمن الغذائي العالمي.
من الأسمدة إلى الغاز: الحلقة الحاكمة
لكنّ هذه المعادلة لا تبدأ من الأسمدة نفسها، بل من مصدرها الأساسي: الغاز الطبيعي. فالغاز لا يُستخدم فقط كوقود في هذه الصناعة، بل يُعدّ المادة الخام الرئيسية فيها، إذ يشكّل نحو 95% من كلفة إنتاج الأسمدة.
وبناءً عليه، فإنّ أيّ صدمة في سوق الغاز تنتقل بشكل شبه فوري إلى الأسمدة، ومنها إلى الإنتاج الزراعي. ومع الأخذ في الاعتبار أنّ الأسمدة تسهم في نحو 50% من الإنتاج الغذائي العالمي، يصبح تأثير الغاز بنيوياً في منظومة الأمن الغذائي.
ويمكن تلخيص هذه السلسلة على النحو التالي: أسعار الغذاء ترتبط بالإنتاج، والإنتاج يرتبط بالتكلفة الزراعية، وهذه بدورها ترتبط بالأسمدة وصولاً إلى الغاز.
أين يدخل مضيق هرمز في المعادلة؟
في هذا السياق، يتحوّل مضيق هرمز من ممرّ طاقة إلى نقطة اختناق في منظومة الغذاء العالمية. فإغلاقه لا يعني فقط اضطراب إمدادات النفط والغاز، بل تعطيلاً مباشراً لسلسلة تمتد من الطاقة إلى الأسمدة، وصولاً إلى الزراعة والغذاء.
وقد بدأت هذه التداعيات بالظهور فعلياً، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً بنسبة تتراوح بين 15% و25%، وتصل إلى نحو 30% في الدول الفقيرة.
1- توقّعات المدى المتوسط (6 إلى 12 شهراً)
إذا استمر الإغلاق من 6 إلى 12 شهراً، فإنّ التأثيرات لن تبقى ضمن حدود الارتفاع الحالي، بل مرشّحة للتصاعد:
- تضخّم غذائي يصل إلى نحو 15% نتيجة نقص الأسمدة
- ارتفاع الأسعار بين 50% و155%
- تراجع الإنتاج الزراعي بنحو 20%
2- توقّعات المدى الطويل (أكثر من عام)
أما في حال امتداد الأزمة لأكثر من عام، فإنّ التقديرات تشير إلى انتقال العالم إلى مرحلة أكثر خطورة:
- أزمة غذائية عالمية
- ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 70% وما فوق
- تزايد مخاطر تقييد تصدير الغذاء، خصوصاً في الدول المستوردة في الهند وأفريقيا والشرق الأوسط
وفي هذا المشهد، تبدو أوروبا من أكثر المناطق هشاشة، بسبب اعتمادها الكبير على الغاز، إضافة إلى مرور جزء مهم من تجارة الأسمدة عبر مضيق هرمز، ما يضعها أمام أزمة مركّبة: طاقة، وأسمدة، وإنتاج صناعي وزراعي.
في المقابل، تختلف المعادلة في الولايات المتحدة، التي قد تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً متزايدة على قطاعها الزراعي.
من أزمة طاقة إلى أزمة خبز
إذا ما تجاوزت الحرب عتبة الأشهر الستة، قد تبدأ التداعيات بالانتقال تدريجياً من قطاع الطاقة إلى منظومة الغذاء، مع تصاعد مخاطر تحوّل الاضطراب الحالي إلى أزمة قمح وخبز على مستوى العالم. وفي هذا السيناريو، لا تبقى الأزمة محصورة بارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى تراجع الإمدادات، وازدياد القيود على التصدير، وتفاقم الضغوط على الدول المستوردة.
وعليه، لا يمكن النظر إلى الغاز والأسمدة كمدخلين تقنيين فقط، بل كمؤشّر استراتيجي دقيق يربط بين الطاقة والزراعة والتجارة الدولية، ويحدّد بشكل مباشر قدرة العالم على تأمين غذائه.