العمليات البرية ضد إيران.. ما مصير الاقتصاد العالمي؟

2026/03/31

أظهرت إيران قدرة عالية على التكيف مع شروط المواجهة مع الولايات المتحدة و "إسرائيل" وذلك عبر إتقانها وسائل الحرب اللامتكافئة. وتستند هذه الاستراتيجية على اعتماد معدات عسكرية وتكتيكات منخفضة التكلفة وعالية الفعالية.

بقلم| جمال واكيم

تواجه منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة في ظل تصاعد العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، ما سيكون له تأثير كبير على التوازنات الجيوسياسية سواء في الشرق الأوسط أم على مستوى العالم.

ويظهر من خلال تقديرات المحللين أن هنالك عدة قضايا مترابطة تشكل جوهر هذه المرحلة وهي احتمالات التصعيد الأميركي ضد إيران والتي تأتي بالتوازي مع اعتماد الولايات المتحدة لحرب نفسية يشارك فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه عبر التصريحات المتناقضة التي يدلي بها، وأثر ذلك على الوضع الاقتصادي العالمي والاقتصاد الأميركي.

العراقيل التي تواجهها العملية البرية المحتملة

تفيد المعطيات بأن الولايات المتحدة تتجه إلى التصعيد ضد إيران وذلك باللجوء إلى عمليات برية، بعدما ثبت قصور العمليات الجوية عن تحقيق الهدف الأميركي الإسرائيلي القاضي بتدمير إيران وإسقاطها ككيان سياسي وبلد وذلك عبر تقسيمها إلى عدة دول.

وقد كشفت مجلة فورين بوليسي الأميركية بناء على تسريبات من مسؤولين رفيعي المستوى، عن مخطط أميركي إسرائيلي متعدد المراحل تتضمن اغتيال قيادات إيرانية بارزة، وتوجيه ضربات للبنية التحتية في المدن الإيرانية الرئيسية، وتنفيذ هجوم بري محتمل، يشمل تسلل نحو 4000 عنصر إرهابي مسلح سينطلقون من مناطق كردستان العراق باتجاه المناطق الشمالية الغربية في إيران وتحديداً منطقة أذربيجان الغربية ومنطقة مهاباد الكردية.

ويأتي ذلك بالتوازي مع نشر نحو 2500 جندي أميركي انطلاقًا من البحرين وتعزيزهم بـ 2500 جندي إضافي للقيام بعمليات توغل بري في جنوب شرقي إيران.

ووفقاً للفورين بوليسي فإن القوات الأميركية المدعمة بعناصر انفصالية ستسعى للسيطرة على مطارات بندر عباس وكرمانشاه وأرومية وتبريز واستخدامها كمنصات لإنزال القوات في أنحاء متفرقة في إيران، للقيام بعمليات عسكرية "جراحية" تستند إلى تنفيذ عمليات إنزال جوي عبر مروحيات بمجموعات صغيرة تستهدف مواقع صاروخية ومنشآت نووية. والأخطر من ذلك هو كشف الفورين بوليسي عن عزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب السماح بتوجيه ضربات نووية محدودة ضد بعض الأهداف العسكرية والنووية.

هذا يعكس تحولاً في الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران، من الاحتواء والردع إلى المواجهة المباشرة المنفلتة من أي سقوف. إلا أن هذا التحول يصطدم بمعطيات ميدانية لا تتوافق مع المخططات الأميركية، أبرزها الأزمة البنيوية التي يعاني منها "الجيش" الإسرائيلي، الذي يُفترض أن يكون شريكاً رئيسياً في الأعمال العسكرية البرية ضد إيران.

إذ إن التقارير تفيد بأن "الجيش" الإسرائيلي يعاني من نقص حاد في الموارد البشرية يقدر حالياً بـ 15 ألف جندي على الأقل. وهذا يترافق مع مشاكل يعاني منها "جيش" الاحتلال وترتبط بجاهزيته القتالية والمعنوية بعد انخراطه في معارك وحروب متتالية على مدى السنوات الثلاث الماضية.

وما يفاقم من أزمة "الجيش" الإسرائيلي هو تورطه في حرب استنزاف في مواجهة حزب الله أدت إلى تعرضه لخسائر كبيرة في العتاد والجنود، من دون أن يتمكن من التوغل باتجاه نهر الليطاني كما كانت تقتضي خطته التي رسمها للبنان.

هذا لا يمثل فقط خللاً تكتيكياً، بل يطرح عقبات استراتيجية أمام الخطط الأميركية. فـ"إسرائيل"، التي تشكل ركيزة أساسية في أي سيناريو عسكري أميركي ضد إيران، تبدو اليوم أقل قدرة على القيام بما هو مطلوب منها لجهة تقديم العون العسكري في العمليات البرية المرتقبة. وهذا يجعل الخبراء العسكريين الأميركيين يشككون في إمكانية الولايات المتحدة في خوض حرب برية واسعة ضد إيران من دون وجود دعم بري إسرائيلي فعّال؟ وفي حال اضطرت الولايات المتحدة لخوض العمليات البرية وحيدة، فهل ستكون قادرة على تحمل الكلفة البشرية والسياسية المتوقع أن تكون عالية، خصوصاً في التجربتين المريرتين لواشنطن في حربي أفغانستان 2002 والعراق 2003 – 2008.

الأوراق التي تمتلكها إيران

أظهرت إيران قدرة عالية على التكيف مع شروط المواجهة مع الولايات المتحدة و "إسرائيل" وذلك عبر إتقانها وسائل الحرب اللامتكافئة. وتستند هذه الاستراتيجية إلى اعتماد معدات عسكرية وتكتيكات منخفضة التكلفة وعالية الفعالية، وذلك عبر استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ ذات التكلفة المنخفضة، في مقابل اعتماد الولايات المتحدة و"إسرائيل" على معدات عسكرية متطورة تكنولوجياً وذات كلفة إنتاج عالية، بما يؤدي بالمحصلة إلى استنزاف إيران لأعدائها خصوصاً إذا ما طال أمد الصراع.

فإيران تستخدم طائرات مسيرة لا تتجاوز كلفة إنتاجها بضعة آلاف من الدولارات، فيما تبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي الذي تنتجه أميركا أو "إسرائيل" بضعة ملايين من الدولارات، بما يجعل ميزان الاستنزاف الاقتصادي يعمل في صالح إيران، وذلك عبر استنزاف القدرات الاقتصادية والإنتاجية الأميركية والإسرائيلية، عدا عن فعالية الصواريخ والمسيرات الإيرانية منخفضة الكلفة، في إلحاق أضرار جسيمة في القواعد العسكرية والبنى الإنتاجية للعدو.

هذا ما يسميه الخبراء الاستراتيجيون "اقتصاديات الحرب المعكوسة"، حيث يتحول التفوق التكنولوجي عالي الكلفة إلى عبء اقتصادي على الولايات المتحدة التي تعاني بالأساس من أزمات اقتصادية بنيوية، علماً أن الحرب تسببت حتى الآن بمضاعفة أسعار برميل النفط عالمياً، ما انعكس ارتفاعاً كبيراً في نسب التضخم في الولايات المتحدة وعرقل السياسات الاقتصادية التي كان ينادي بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصاً لجهة تخفيض أسعار الفائدة على الدولار لدفع الاستهلاك والاستثمار الداخلي.

كما أن رفع أسعار الفائدة أدى إلى دولار قوي أدى بدوره إلى ضرب الاستهلاك والاستثمار وألغى مفاعيل الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب لحماية الإنتاج الأميركي، بما عزز مرة أخرى الصادرات الأوروبية والخارجية إلى الولايات المتحدة، وأضعف تنافسية البضائع الأميركية في الأسواق العالمية. وقد يكون هذا من الأسباب التي أدت إلى تصاعد النقمة الداخلية ضد ترامب، وجعلت المواطنين الأميركيين ينظمون مئات التظاهرات في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة، علماً أن هذه التظاهرات شهدت مشاركة ملايين الأميركيين.

ولا يقتصر تأثير هذا على البعد الاقتصادي بل يشمل أيضاً البعد الاستراتيجي. إذ إن استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة و "إسرائيل" أدى إلى تراجع قدرة "إسرائيل" والولايات المتحدة على اعتراض المسيرات والصواريخ الإيرانية، وهو حتماً سيؤثر على قدرتهما على الاستمرار طويلاً في المواجهة مع إيران، ويجعل أي عملية تصعيد بري أكثر كلفة وخطورة.

كما أن استهداف القواعد الأميركية في المنطقة أدى إلى التأثير سلباً على القدرات اللوجستية الأميركية. والجدير ذكره أن التقارير تفيد بتآكل احتياطيات المعادن النادرة في الولايات المتحدة في ظل القيود التي فرضتها الصين على تصدير هذه المعادن، ما يعيق عمليات تصنيع الأسلحة الذكية ويؤثر سلباً في قدرة البنتاغون على إعادة بناء مخزونه من الأسلحة التي تستنزف في حرب باتت طويلة مع إيران.

ماذا خلف التناقض في تصريحات ترامب

في هذا الإطار، تبرز التصريحات المتناقضة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن التفاوض مع إيران، والتي يعتبرها خبراء أنها تشكل جزءاً من حرب نفسية وإعلامية يعتمدها الرئيس الأميركي. فإعلان ترامب عن أن الإيرانيين طلبوا التفاوض معه في مقابل نفي طهران لذلك، يفيد بأن الرئيس الأميركي يلجأ إلى اعتماد الغموض والتضليل كأداة سياسية. في هذا السياق، فإنه من الواضح أن ترامب يستخدم التضليل كمقدمة لشن أعمال عسكرية ضد إيران، تماماً كما فعل في السابق.

ويهدف ترامب إلى تقديم نفسه كرئيس قادر على فرض إرادته على الخصم مهما كان هذا الخصم عنيداً. كذلك هو يسعى إلى تعزيز وضعه لدى قاعدته الانتخابية في الوقت الذي يتحضر فيه حزبه الجمهوري لخوض الانتخابات النصفية في الخريف المقبل.

كذلك فإن هذا الغموض في الخطاب الأميركي يضع إيران في موقف دفاعي، فإن هي رفضت التفاوض مع ترامب، يصبح بإمكان الأخير إلقاء اللوم عليها بإطالة أمد الصراع وما ينتج عنه من مفاعيل سلبية، حتى وإن لم يكن هنالك مفاوضات كما يؤكد الإيرانيون أنفسهم.

الا أن هذه المقاربة تحمل مخاطر كبيرة، إذ قد تؤدي إلى تعزيز حالة سوء التقدير المتبادل بين الطرفين المتحاربين ما من شأنه أن يؤدي إلى تصعيد عسكري غير محسوب العواقب.

كما أن ربط التهديدات الأميركية بفتح مضيق هرمز يضيف بعداً اقتصادياً عالمياً للصراع. فالمضيق، الذي يمر عبره نحو عشرين في المئة من إمدادات الطاقة العالمية يشكل نقطة اختناق استراتيجية. وقد أدت الحرب حتى الآن إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق العالمية.

كذلك، تجد دول الخليج نفسها في موقف حساس، إذ إن إيران هددت بأنها ستستهدف كل البنى التحتية النفطية في منطقة الخليج، في حال تعرض منشآتها للهجوم. وقد دخل عامل جديد على الصراع تمثل بإعلان أنصار الله في اليمن دخولهم في الصراع وإطلاقهم عدداً كبيراً من الصواريخ ضد الكيان الصهيوني.

وفي حال صعدت الولايات المتحدة من هجومها على إيران وعلى فصائل المقاومة في العراق ولبنان واليمن، فإن اليمنيين قد يلجأون إلى اغلاق باب المندب الذي يمر فيه 12 في المئة من إمدادات الطاقة. وبذلك فإن السوق العالمية تكون قد فقدت نحو 32 في المئة من إمدادات الطاقة، بما سيدفع أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع بشكل جنوني، وبما يؤثر على الاقتصاد العالمي، وخصوصاً الاقتصادات الغربية واقتصاد الولايات المتحدة. 

أخترنا لك
شهادة السيدة الزهراء

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة