منذ اندلاع الحرب الأمريكية الصهيونية ضد إيران في 28 فبراير 2026، تكررت على لسان دونالد ترامب عبارة لافتة: "إيران دُمّرت بالكامل". لكن خلف هذه التصريحات، تكشف تقارير إعلامية—من بينها ما نشرته NBC News—عن مشهد مختلف تماما: حرب لا تُخاض فقط في الميدان، بل أيضا في غرف العرض المغلقة.
أولا: صناعة "النصر اليومي"
وفق التحقيق، يتلقى الرئيس الأمريكي عرضا يوميا لا يتجاوز دقيقتين، يتضمن لقطات دقيقة لضربات جوية ناجحة اضافة إلى مشاهد انفجارات متتالية مع صورا منتقاة بعناية لإظهار التفوق العسكري الأمريكي في هذه الحرب.
هذه المقاطع ليست تقريرا شاملا، بل منتج إعلامي موجّه، هدفه خلق انطباع دائم بالتفوق والسيطرة.
ثانيا: لماذا يُقال إن "إيران دُمّرت"؟
تصريحات دونالد ترامب يمكن فهمها في عدة سياقات منها تثبيت الرواية السياسية لأن الرئيس بحاجة إلى إقناع الداخل الأمريكي بنجاح الحرب بعد أن شهد الكونجرس خلافا كبيرا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي الذي حذّر من أن خطوة ترمب قد تجر البلاد إلى حرب طويلة أخرى في الشرق الأوسط، مع تعريض القوات الأميركية للخطر دون مبرر.علاوة على ذلك المظاهرات المليونية في أميركا الرافضة للحرب على إيران والمحتجون يصلون إلى معقل الرئيس ترمب.
إلى جانب هذا تسعى الإدارة الأمريكية لتجنب الانتقادات السياسية وتعزيز صورته كقائد حاسم حيث يوظّف العنف كأداة تفاوضية للحصول على مكاسب أكبر على طاولة المفاوضات، وهو يفعل الشيء نفسه في السياسة الداخلية عندما يهدد بإيذاء أو سجن خصومه السياسيين.
الحرب النفسية
إعلان "تدمير إيران" قد يكون رسالة ردع للخصوم وأداة حرب نفسية، بالإضافة إلى كونها أداة ضغط قصوى لفرض شروط في أي مفاوضات مستقبلية.وإذا كانت التقارير المقدمة للرئيس انتقائية، فإن الصورة الكاملة لا تصل إليه والتقييم يصبح منحازا و على ضوء هذا ، يُبنى القرار السياسي على معطيات غير مكتملة.
ثالثا: خطورة إدارة الحرب عبر "الفيديو"
الاعتماد على مقاطع قصيرة له تداعيات خطيرة لأن التبسيط المفرط للحرب وتحويلها إلى مشاهد انفجارات فقط و تجاهل الخسائر، سواء البشرية أو الاستراتيجية و سوء تقدير الخصم و التقليل من قدراته الفعلية مع قرارات غير دقيقة و مبنية على صورة غير مكتملة، يحول النصر إلى مستنقع، ومن ثم فلا بد من اختزال كل شيء في جرعة سريعة الانتشار من الدوبامين، لتصوير المستنقع باعتباره انتصارا.
رابعا: ماذا عن الواقع على الأرض؟
رغم الحديث عن "تدمير كامل"، تشير المعطيات إلى،استمرار الهجمات المتبادلة و قدرة إيران على الرد وتوجيه ضربات عنيفة للكيان الإسرائيلي و القواعد الأمريكية في المنطقة، اضافة إلى اتساع رقعة المواجهة إقليميا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عبر خنق حركة الملاحة في مضيق هرمز.
فلا يزال الإيرانيون -بعد أربعة أسابيع من الحرب- يقصفون قلب الكيان الصهيوني يوميا ويصيبون كافة مناحي الحياة بالشلل ، و تمثل هذه الضربات تكذيبا واضحا للرئيس الأمريكي الذي أعلن أكثر من مرة عن محو كافة قدرات إيران العسكرية، لأن الضربات تعكس احتفاظ طهران بكثير من القدرات العسكرية بعد شهر من الحرب، فضلا عن مواصلة إغلاق مضيق هرمز بما له من انعكاسات على أسعار الطاقة في العالم كله.
في هذه الأثناء يبرز دور الإعلام في الحرب والذي أصبح جزءا منها و لا يقل أهمية عن العمليات العسكرية المباشرة، حيث يعمل كأداة لتشكيل الرأي العام، تعزيز المعنويات، وخوض حروب نفسية ومعلوماتية ، تشمل وظائفه تبرير الأعمال العسكرية، وتوجيه سردية الصراع، ما يجعله ساحة حرب بحد ذاته.
ولكن يجب أن لا ننسى التاريخ لبمليء بأمثلة مشابهة و التقارير المتفائلة في الحروب الطويلة و قيادات اعتمدت على معلومات ناقصة والتي انتجت نتائج كارثية بسبب سوء التقدير.
الخطر الحقيقي لا يكمن في التصريحات الترامبية، بل في ما وراءها:
هل تُدار الحرب بناء على الواقع… أم على صورة مُنتقاة بعناية؟
في عالم اليوم، قد لا يكون أخطر ما في الحرب هو ما يحدث في الميدان،بل ما يُعرض على الشاشات المغلقة لصنّاع القرار.