الكرد بالقدر الذي يُعتَرف لهم بأنهم مقاتلون أشداء، متفانون ومستمسكون بقضيتهم الوطنية، إلا أنهم لطالما لدغوا من الجحر الواحد، مرات ومرات، ويأمل أصدقاء الكرد هذه المرة، ألا يعيد التاريخ نفسه.
بقلم| عريب الرنتاوي|مدير مركز القدس
وجَدت حركات كردية، مسلّحة وانفصالية، في الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، سانحتها لتحقيق أحلام استقلالية كامنة: الاستقلال بإقليم "روج هالات"، أو السير على خطى الإقليم الكردي في شمالي العراق، من باب أضعف الإيمان... بيد أن نفراً منهم، بكل تأكيد، لم تغب عن مُخيّلته المصائر الصعبة، التي آل إليها إقليم كردي "شقيق" كان قد تظهّر في شمال سوريا، تحت ظلال أزمتها الممتدة منذ عام 2011 وحتى عام 2024، وأعني به "روج آفا".
وإذ أسهمت تصريحات "طائشة"، واتصالات هاتفية مكتومة، كان دونالد ترامب قد أدلى بها وأجراها مع قادة كُرد عراقيين، في إنعاش أحلام الكرد الإيرانيين، فإن تقلبات الرجل وميوله للتخلي عن الحلفاء والأدوات، سرعان ما أسهمت في إضفاء قدرٍ من "العقلنة" و"الرشد" على سلوك معظم كرد المنطقة، من دون أن تبدد حتى اللحظة على الأقل، ميول بعضهم الآخر، لتجريب حظوظه الانفصالية، علّه يحظى بخواتيم مغايرة...الأمر الذي صحّ معه، وصف سلوك الكرد الإيرانيين في هذه اللحظة، بأنه "خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الوراء".
طريق الاستقلال ليس سالكاً
لسنين طويلة، أفضت "مظلومية الكرد التاريخية" في الإقليم، إلى ولادة حركات سياسية ومسلّحة، "هوياتية" في الأساس، بعضها بلغ ضفافاً انفصاليةً، خاض من أجلها غمار "كفاح مسلّح"، مرير وطويل الأمد، دفع الكرد، وأمم المنطقة الثلاث: عرباً وأتراكاً وإيرانيين، أثماناً باهظة له، وعبّر في جوهره عن فشل "الدولة الوطنية الحديثة" في إقامة علاقة صحيّة، مع مواطنيها ومواطنتها، كياناتها ومكوّناتها، ما سمح بتدخلات خارجية ضارة في معظمها، ومكّن لاعبين إقليميين ودوليين، من توظيف "المسألة الكردية" كورقة ضغط في صراعات جيوسياسية متناسلة، أفضت في كثير من الأحيان، إلى المسّ بوحدة البلاد والعباد، وتهديد سلامة دول ومجتمعات، من دون أن تأتي الرياح بما تشتهيه سفن الكرد وحقوقهم المدنية والثقافية.
إيران وكردها، ليسوا استثناءً لهذه القاعدة... عشرة ملايين كردي تقريباً، يشكلون قرابة الـ 10 في المئة من السكان، لديهم تطلعاتهم القومية، التي لا يشعر بعضهم، أنها "احتُرِمَتْ"، لا في زمن الشاهنشاهية، ولا في زمن الجمهورية الإسلامية.... وللمفارقة التي تستوجب بحثاً مستقلاً، فإن معظم الحركات الكردية الوازنة والفاعلة، في إيران كما في سوريا وتركيا، انتمت إلى "مدارس يسارية- علمانية"، بعضها ماركسية، باستثناء العراق الذي ظل الطابع "القبلي – المحافظ" يهيمن على الحزب الرئيس في الإقليم: الديمقراطي الكردستاني، من دون أن ينفي ذلك وجود حزب "يساري – علماني"، ينتمي إلى مدرسة "اشتراكية دولية"، منافس له من السليمانية: الاتحاد الوطني..."كردستان التاريخية"، ظلت إلى حدٍ كبير بمنأى عن موجات الإسلام السياسي المتعاقبة، التي سادت ومادت في معظم البلدان العربية وتركيا وإيران، فيما حركاتها السياسية والمسلّحة، ذات المرجعية الإسلامية، ظلت الأضعف والأقل تأثيراً، وفي مناطق الانتشار الكردي الأربع سواء بسواء.
داهم العدوان الأميركي-الإسرائيلي كرد إيران، والحركة الكردية في عموم المنطقة في واحدة من أضعف لحظاتها، ومن آيات هذا الضعف:
(1) الاستفتاء الخائب في إقليم كردستان العراق، في عام 2017 الذي قاده وتحمس له زعيم وازن: مسعود البارزاني، وتسبب فشله في خسارة الإقليم لكثير من مكتسباته...
(2) دعوة زعيم آخر، أكثر نفوذاً وأوسع انتشاراً: عبد الله أوجلان، إلى حلّ حزب العمال الكردستاني وإلقاء سلاحه مطلع عام 2025...
(3) وقبلها بأشهر معدودات، سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، الذي سيترافق مع انطلاق مسار معقد لدمج "قسد" و"مسد" في مؤسسات الجيش والدولة السورية، ليتوّج هذا المسار، بنجاح دمشق في بسط سيطرتها على محافظات شرق الفرات، في مفتتح العام الحالي.
تاريخياً، توزعت ولاءات كُرد المنطقة بين زعامات "تاريخية" ثلاث، طغى تأثيرها العابر للحدود، على الزعامات الكردية المحلية التي نشأت هنا وهناك في سياقات مختلفة وتحت تأثيرات متضاربة، أولها؛ وأهمها على الإطلاق، عبد الله أوجلان، نظراً لحجم الكرد الوازن في تركيا من جهة، ولنفوذه العابر للجغرافيا والحدود من جهة ثانية...
ثانيها: مسعود البارزاني، سليل عائلة نافذة تولت قيادة الحركات الكردية في العراق، بالأخص بعد سقوط الملكية، لكن نفوذه ظل متركزاً في بعض مناطق كردستان العراق، قبل أن يصبح زعيماً لا يشق له غبار، إثر سقوط نظام صدام حسين، ورحيل الزعامة الثالثة للكرد، جلال الطالباني، من دون أن ينجح حزبه الوطني، وعائلته، في إنتاج قيادة كارزمية، تملأ فراغ "مام جلال"، وستتعزز مكانة البارزاني أكثر على حساب منافسيه، في ضوء التطورات التي عصفت بالمنطقة، وبدلالة نتائج الانتخابات النيابية العراقية الأخيرة، والدور المتميز الذي لعبه مع أنقرة ودمشق، في معالجة ملفات "قسد".
تدرك الأحزاب والفصائل الكردية الإيرانية المسلحة، أن حظوظها في الانفصال بعد كل ما تعرضت له الحركات الكردية في الدول المجاورة من ضربات وانتكاسات، باتت ضعيفة للغاية، لكنها مع ذلك، ما زالت تُمَني النفس، بإعادة إنتاج "سيرة" نشأة الإقليم في العراق، والذي بدأ يتشكل بعد عدوان العراق على الكويت، وإنشاء مناطق حظر جوي شمالي العراق، وصولاً إلى سقوط بغداد، وبقية القصة معروفة، ويراهنون في "تفكيرهم الرغائبي" هذا، على ما يمكن أن تمارسه "إسرائيل" من تأثير على الولايات المتحدة علّها تغيّر مقاربتها، لكن نتنياهو كما يقول الجنرال الأشهر جيورا آيلاند، أضاع فرصة نادرة وارتكب خطأ استراتيجياً بالتراجع عن اللعب الجدي بورقة الكرد والأقليات.
هم يريدون من واشنطن، دعماً عسكرياً وتسليحياً كثيفاً، ومن حلفائها العرب والأوروبيين، دعماً مماثلاً لما حصل عليه الإقليم من قبل، و"قسد" من بعد، ليتخذوا من مناطقهم، منصات انطلاق لإضعاف الحكومة المركزية في طهران، وليفتح ذلك الباب أمام حركات انفصالية أخرى، في محاولة لإعادة إنتاج "حلف الأقليات" الذي انتعش في سوريا بعد سقوط الأسد، رغم أن هذه المحاولة، باءت بالفشل، وكادت أن تدفن في مهدها، إثر الهزائم الكبرى التي لحقت بمحركها الرئيس في القامشلي.
ولكي يُكتب لهذه المغامرة، قدرٌ من الجدية والنجاح، ينعقد رهان كُرد إيران على دعم وإسناد أشقائهم في الإقليم العراقي...لكن من سوء طالع هؤلاء، أن كُرد العراق، ما زالوا يستحضرون دروس الاستفتاء وما بعده، ولسان حالهم يقول: لن نقامر بمكتسبات إقليم شبه مستقل في العراق، لصالح إقليم قد يرى النور في إيران، وقد يدفن في مهده.
لا شك، أن رفض قادة الإقليم، بافل طالباني ومسعود بارزاني، أو على الأقل، ترددهم في الانخراط في مقامرة من هذا النوع، إنما يعود إلى جملة من الأسباب والحسابات المعقدة:
أولها؛ الخشية من ردود إيرانية انتقامية، لا تقتصر على الضربات عن بعد بالصواريخ والمسيّرات، بل قد تمتد لتفعيل "العامل الشيعي" الحاسم في المعادلة العراقية، ضد الإقليم...
ثانيها؛ الموقف التركي الذي لن يكون مهادناً أبداً حيال "تهديد" من هذا النوع، وهو الذي بالكاد تنفس الصعداء، بعد أن تلاشت فرص إنشاء إقليم مماثل في الشمال السوري، وهنا نفتح قوسين، للإشارة إلى أن العلاقات المتميزة بين أنقرة وأربيل، كانت من ضمن عوامل عدة، سبباً في إخفاق كُرد سوريا في الوصول بمشروعهم إلى خواتيمه السعيدة...
البارزاني الذي تعاظم دوره في سوريا بعد سقوط الأسد، ومع مجيئ نظام سوري جديد، يرتبط بأوثق العرى مع تركيا، ولن يقامر بتهديد علاقاته معها، ولا بإشعال أزمة "وجودية" مع بغداد...الشيء ذاته، ينطبق على الطالباني، الذي يدرك كذلك، أنه بحكم الجوار بين مناطق نفوذه وإيران، سيكون المتضرر الأول لمقامرة من هذا النوع...دعم كُرد العراق لإقليم كردي في إيران، قد يفضي إلى ضياع إقليم قائم، بدل التعجيل في ولادة إقليم منتظر، تلكم هي المعادلة التي تحكم سلوك السليمانية وأربيل.
في خلفية المشهد، تدرك الحركات الكردية الإيرانية المسلحة (الخمس)، التي نجحت مؤخراً في لملمة صفوفها، أن عبء الصراع مع طهران، وربما مع الأغلبية الإيرانية، سيقع على كاهلها هي بالذات، فالأقليات الأخرى، لا تحظى بالوزن والثقل الذي تتمتع به ثاني أكبر أقلية في إيران، ومستويات اندماجها في الدولة والمجتمع متفاوتة كثيراً، ومخاوفها لا تقتصر على رد فعل المركز في طهران، بل في حسابات المراكز الإقليمية الأخرى المحيطة: الباكستان في حالة البلوش (من دون إسقاط أثر التحوّل المذهل في موقف كابول الرافض للحرب على إيران)، وأذربيجان الأقل ميلاً للتدخل ( لضعف الميول الأذرية الانفصالية بوجود مرشد أعلى ورئيس جمهورية إيرانيين من أصول أذرية)، والحركات العربية التي ضعفت بشكل غير مسبوق، في السنوات والعقود الأخيرة.
وفي خلفية المشهد كذلك، العبارة الشائعة التي ما انفك يرددها خصوم الكُرد وأصدقاؤهم: "الكرد لا يتعلمون من دروس تجارب غيرهم ومن تجاربهم هم بالذات"، وهي العبارة التي أوحت بها سلسلة الرهانات الخائبة على "العامل الخارجي"، التي وقعت الحركات الكردية في براثنها، وأودت بكثير من المكتسبات والتضحيات الجسام في الآن ذاته، فالكرد بالقدر الذي يُعتَرف لهم بأنهم مقاتلون أشداء، متفانون ومستمسكون بقضيتهم الوطنية، إلا أنهم لطالما لدغوا من الجحر الواحد، مرات ومرات، ويأمل أصدقاء الكرد هذه المرة، ألا يعيد التاريخ نفسه، ولكن على شكل "كوميديا سوداء".
كُرد إيران في السياق الدولي
باستثناء "إسرائيل"، ليس ثمة من بين دول الإقليم، وعواصم العالم ذات الصلة، من يرغب برؤية إيران تنزلق إلى سيناريو "الفوضى والتقسيم"، وما قد يتناسل عنه، من نزاعات وحروب بيْنية، لن تقتصر على الجغرافيا الإيرانية، بل ستطال جنوب القوقاز والشرق الأوسط وأطراف أوراسيا.
حتى الولايات المتحدة، التي تشن عدواناً غير مسبوق، غير ضروري وغير شرعي، على إيران، وبالرغم من أن رئيسها وإدارته، لم يستبعدا سيناريو "المناطق الآمنة" وتحريك "الورقة الكردية" واللعب بملف الأقليات، تخشى دوائرها العميقة، من مغبة الانزلاق في مستنقع من الأزمات المفتوحة.
دول الجوار العربي والإقليمي لإيران، وبعضها يرغب بشدة برؤية غروب شمس النظام القائم وليس تغييراً في سياساته فحسب، تتحسب بدورها لأمرٍ كهذا، وهي تعرف أنها ستكون المُستَقبِل الأول للشظايا والشرارات المتطايرة حال وقوع سيناريو كهذا، والوجهة الأولى، لموجات جديدة من "اللاجئين" و"الإرهابيين"، وهي تريد أن تخلص من الحرب القائمة وفواتيرها التي تزداد ارتفاعاً، اليوم وليس غداً.
أوروبا التي لخص المستشار الألماني على أوضح وجه، أسوأ كوابيسها، عندما تحدث عن مخاطر الفوضى والتفتيت على القارة العجوز، إرهاباً ولاجئين وأزمات في سلاسل التوريد والطاقة، لا تبدو أنها راغبة في الانجرار خلف "البلدوزر" الأميركي-الإسرائيلي، وإن كانت بعض دولها تقترب من المشاركة في العدوان، تحت شعارات ومبررات دفاعية، ليست صلبة على الإطلاق.
جميع هذه الشروط والعوامل، الإقليمية والدولية، التي تحيط بالمسألة الكردية في إيران في هذا الوقت بالذات، كفيلة بأن تحوّل ما ظنه بعضٌ من كرد إيران "فرصة سانحة" لا تتكرر، إلى "كارثة محدقة" بهم وبمشروعهم، وستطال الدول والمجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها، وستعصف بما يُعتقد أنها مكتسبات تمتعت بها حركات كردية أخرى في الإقليم.
وربما لهذه الأسباب والشروط مجتمعةً، يبدي أصدقاء الكُرد في المنطقة، وكثيرٌ من عقلائهم، رغبة صادقة في ألا يعيد كُرد إيران إنتاج "التجربة المرة" لأشقاء لهم، لا سيما أن بعض فصولها ما زالت "طازجة" في الذاكرة الجمعية لشعوب المنطقة، وأن يهتدوا بحكمة منسوبة إلى الرئيس المصري الراحل: "المتغطي بأمريكا عريان"، والتي نضيف إليها: "المستقوي بإسرائيل، مهزوم دائماً وإن انتصر مؤقتاً".