سياسة "أميركا أولاً" في أفريقيا: إعادة ضبط أم إعادة تموضع؟

2026/03/28

بقلم| عباس محمد صالح

رغم الخطاب الذي يدعو إلى احترام خصوصيات الدول، تعكس الممارسة الأميركية نزعة أحادية واضحة. فالتعامل مع قوى إقليمية كجنوب أفريقيا ونيجيريا يكشف عن سلوك انتقائي، يتراوح بين الضغط والتجاهل.

عد أشهر من الترقب، كشفت وزارة الخارجية الأميركية في 19 آذار/ مارس ملامح السياسة الجديدة تجاه قارة أفريقيا ضمن إطار شعار "أميركا أولاً". وقدّم هذا الإطار، كما أوضح نيك تشيكر (كبير مسؤولي مكتب الشؤون الأفريقية)، رؤية عامة لنهج واشنطن تجاه القارة، تقوم - نظرياً - على إقامة شراكات ذات منفعة متبادلة بدلاً من الاعتماد على المساعدات التقليدية.

لكن، رغم هذا الطرح، يبدو أن الإطار الجديد لن ينجح في تبديد الغموض أو طمأنة العواصم الأفريقية. فالحديث عن "شراكة متكافئة" يصطدم عملياً بتركيز واضح على خدمة المصالح الأميركية أولاً، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو استراتيجية.

من المساعدات إلى "الدبلوماسية التجارية"

ووفقاً لتشيكر، يرتكز النهج الجديد على ثلاثة مبادئ رئيسية: الدبلوماسية التجارية، إعادة تقييم المساعدات، وإدارة النزاعات وحلّها. ويُقدَّم التحوّل من "المساعدات إلى التجارة" باعتباره نقلة نوعية تهدف إلى جعل أفريقيا شريكاً لا متلقياً.

غير أن هذا التحوّل، في جوهره، يعيد تعريف العلاقة على أسس أكثر براغماتية: المساعدات لم تعد التزاماً إنسانياً، بل أداة استثمار تخدم المصالح الأميركية. وبذلك، يُطلب من الدول الأفريقية من الآن فصاعداً مواءمة سياساتها الوطنية مع الأولويات الاقتصادية والتجارية لواشنطن، مقابل استمرار أو تلقي الدعم والمساعدات الأميركية، هذا إن استوفت معايير "الشريك" كما تتصورها إدارة ترامب.

على الأرض، يبدو المشهد مختلفاً. فمع تقليص المساعدات، وتراجع دور "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية"، لا سيما في أفريقيا الأكثر تأثراً، يصعب اعتبار هذا التحوّل مكسباً للقارة. كما أن انتقائية واشنطن في اختيار شركائها - وفق معيار الموارد أو الأهمية الاستراتيجية - تعني أن كثيراً من الدول ستظل خارج هذه المعادلة وخارج الاهتمام الأميركي الفعلي في المدى المنظور.

السلام كأداةانتقائية

تطرح الإدارة الأميركية نفسها كوسيط في حلّ النزاعات وإدارتها، لكن هذا الدور يبدو توجهاً انتقائياً. ففي أزمة شرق الكونغو الديمقراطية، حيث تتداخل المصالح المرتبطة بالمعادن، انخرطت واشنطن بشكل مباشر، لكن النتائج بقيت في الواقع مجرد "اتفاقات على الورق"، إذ يستمر الاقتتال لتزداد تبعاً لذلك معاناة السكان الذين يواجهون ظروفاً إنسانية صعبة نتيجة تصاعد حدة الصراع وتفاقم الأزمات الإنسانية، بل ربما يشكّل الانخراط الأميركي - المتحيّز بوضوح لحكومة كينشاسا طمعاً في الوصول إلى الموارد وضمان أكبر قدر من الحصص والفرص للشركات الأميركية - في هذا الملف دافعاً لتفاقم هذا الصراع المعقد.

أما في السودان حيث صراع إقليمي منذ نيسان/ أبريل 2023، تُوظّف فيه أدوات محلية ودول الجوار ما أدى إلى استمراره وتفاقم المعاناة، فقد اتخذ الانخراط الأميركي فيه شكلاً مختلفاً عن الكونغو الديمقراطية، عبر إدارة غير مباشرة للملف عبر مستشار ترامب الخاص لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا (مسعد بولس)، لكن من دون تحقيق اختراق فعلي حتى الآن مع تحيّز واضح يجسّد تواطؤاً واضح لا يليق بوسيط حريٌ به التزام الحياد والسعي لكسب ثقة الأطراف المعنية لإنهاء هذا الصراع.

وأما في ملف سد النهضة الإثيوبي- حيث التوتر والصراع المتصاعد والمتجدد بين إثيوبيا ومصر بشأن سياسات المياه - فلم تتمكن واشنطن حتى من جمع الأطراف على طاولة حوار فعّال، رغم التصريحات المتكررة حول وساطة يعتزم ترامب القيام بها بين مصر وإثيوبيا لحل هذا النزاع، ما يعكس حدود هذا الدور.

في الخلاصة، يكشف هذا التباين أن مستوى التدخل الأميركي يتحدد أساساً بحجم المصالح، لا بضرورة تحقيق السلام كمبدأ، وهو ما يجسد فعلياً أهداف سياسة "أميركا أولا".

شراكة أم فرض شروط؟

رغم الخطاب الذي يدعو إلى احترام خصوصيات الدول، تعكس الممارسة الأميركية نزعة أحادية واضحة. فالتعامل مع قوى إقليمية كجنوب أفريقيا ونيجيريا يكشف عن سلوك انتقائي، يتراوح بين الضغط والتجاهل وفقاً لمستوى التوافق مع الأجندة الأميركية.

وبناءً على هذا النهج، تبدو "الشراكة" أقرب إلى علاقة غير متكافئة: الطرف الأفريقي مطالب بالامتثال، من دون أن يكون شريكاً فعلياً في صياغة السياسات ووضعها. كما أن تركيز واشنطن على تأمين الموارد وسلاسل التوريد يعكس أولوية المصالح الاقتصادية، أكثر من بناء علاقات متوازنة تراعي مصالح الأطراف بما يؤدي للانتقال إلى نهج جديد يحقق العدالة في استغلال الموارد لمصلحة شعوب القارة أيضاً.

كما تعكس بعض ممارسات ترامب، كما ظهر في فنزويلا والشرق الأوسط، حجم القلق المتزايد لدى الأفارقة، وتعزز شكوكهم تجاه توجهات الإدارة الأميركية الحالية. فالسعي الحثيث للوصول إلى الموارد الحيوية والسيطرة عليها، إلى جانب نهج يتسم بعدم الالتزام بقواعد النظام الدولي، يثير مخاوف حقيقية داخل القارة. وفي ظل ما تعانيه العديد من الدول الأفريقية من هشاشة بنيوية، تبدو أكثر عرضة لأنماط مماثلة من التدخل أو الضغوط، إذا ما تقاطعت مع مصالح واشنطن الاستراتيجية.

تهميش مؤسسي وانتقائية الرؤية

يتّسق هذا التوجّه مع نمط أوسع في سياسة ترامب يقوم على إضعاف المؤسسات سواء داخل الولايات المتحدة أو مؤسسات النظام الدولي المتعددة الأطراف. فقد تراجع الحضور المؤسسي الأميركي في أفريقيا، سواء عبر التأخر في تعيين كبار المسؤولين في مناصب تسهم في أدوار كبيرة في رسم السياسة الأميركية.

في هذا الإطار، على خلاف الإدارات السابقة، التي كانت تولي منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية أهمية خاصة وتسنده إلى شخصيات رفيعة تمتلك خبرة عميقة بالقارة، شهدت فترة ترامب تراجعاً في هذا الاهتمام، حيث تأخر مراراً في تعيين شاغل لهذا المنصب منذ ولايته الأولى.

وامتد هذا التوجه إلى بنية صنع القرار نفسها، إذ طالت سياسات الدمج وإعادة الهيكلة إدارة ملف أفريقيا داخل مجلس الأمن القومي. فقد تم دمج مكتب شؤون أفريقيا مع مكتب الشرق الأوسط، ليتولى المسؤولية حالياً منصب موحّد تحت مسمى "كبير مديري الشرق الأوسط وأفريقياً"، في خطوة تعكس تقليص الحضور المؤسسي المستقل للقارة ضمن أولويات الإدارة الأميركية الحالية.

وفي هذا الإطار، شملت هذه السياسة استدعاء عدد كبير من السفراء (نحو 13 سفيراً وفقاً لبعض المصادر) لإعادة ضبط الجهاز الدبلوماسي وتحقيق الاتساق وفق توجّه "أميركا أولاً"، ما أضعف الحضور الأميركي الميداني في القارة الأفريقية، والذي كان يُسهم بشكل كبير في رسم السياسات وتقييمها ووضع الأولويات، فضلاً عن رصد متابعة الأوضاع على الأرض والحصول على معلومات محدّثة بشأنها.

إن هذا التراجع المؤسسي يقابله غياب رؤية مستقرة، حيث تُدار السياسة الخارجية بمنطق تكتيكي ومتقلب أكثر منه التزاماً صارماً، ما يحدّ من قدرة الشركاء الأفارقة على بناء توقعات طويلة المدى.

من نشر القيم إلى إدارة المصالح

ضمن هذا التحوّل، لم تعد واشنطن تعطي أولوية لنشر الديمقراطية كما في السابق، بل باتت تتعامل مع الأنظمة السياسية وفق منطق "الواقعية". فالتدخل الأميركي - إن حدث - لم يعد مبرراً بخطاب القيم، بل بمصالح مباشرة متوخاة من هذا التدخل.

ويعكس هذا التوجّه قناعة داخل إدارة ترامب بأن الضغط في قضايا الحكم والديمقراطية لم يعد فعالاً، خاصة في بيئات معقدة مثل تلك التي في أفريقيا، ما يفتح الباب أمام علاقات أكثر براغماتية، لكنها أقل التزاماً بالمبادئ.

ولكن، يجادل كثيرون داخل أفريقيا بأن سياسة "أميركا أولاً" قد تفتح نافذة يمكن استثمارها لصالح القارة، إذا ما أُحسن توظيفها. فبدلاً من الاستمرار في الارتهان لمنطق المساعدات، تتيح هذه المقاربة فرصة لإعادة بناء العلاقة مع الخارج على أساس المصالح المتبادلة، بما يعزز استقلال القرار الوطني.

ومن هذا المنظور، يمكن للدول الأفريقية أن تتحرك نحو تقليل الاعتماد على الدعم الخارجي، والتركيز على تعبئة مواردها الذاتية، خاصة في ظل ما تزخر به القارة من ثروات طبيعية واستراتيجية. كما أن التنافس الدولي المتزايد على هذه الموارد يمنحها أوراق قوة يمكن استخدامها للتفاوض بشكل أفضل مع القوى الكبرى، بما يحقق مكاسب حقيقية تتجاوز منطق التبعية التقليدية.

سياسة المصالح

تكشف سياسة "أميركا أولاً" في أفريقيا عن تحوّل من خطاب الشراكة إلى منطق المصالح الصريحة. ورغم تقديمها كإعادة ضبط إيجابية، فإنها عملياً تعيد إنتاج علاقة غير متكافئة، تقوم على الانتقائية والبراغماتية.

وفي وقت تبحث فيه أفريقيا عن شراكات أكثر عدلاً واستقراراً، لا يبدو أن هذا النهج يوفر الأساس المطلوب لذلك. بل يعزز الشكوك حول مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل غياب رؤية مؤسسية واضحة، واستمرار التعامل مع القارة من منظور أحادي قصير المدى.

وبالتالي، وإجمالاً، لا تمثل سياسة "أميركا أولاً" تحوّلاً نوعياً في مقاربة القوى الكبرى تجاه أفريقيا، بقدر ما تعكس امتداداً للنهج ذاته بأدوات أكثر صراحة.

فالدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، دأبت على انتقاد نماذج الصين وروسيا وغيرها، باعتبارها تُبقي القارة في حالة تبعية وتخلف وقابلية للاستغلال، بينما تروّج لنهجها بوصفه بديلاً أكثر عدالة.

غير أن الممارسة الفعلية تشير إلى تقاطع كبير في منطق إدارة العلاقات، حيث تظل المصالح الاستراتيجية والاقتصادية هي المحدد الرئيسي، بغضّ النظر عن الخطاب المعلن.

أخترنا لك
موضع قبر أمير المؤمنين في النجف الأشرف

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة