الجيش البريطاني والردع المفقود في ظلال التصعيد بالشرق الأوسط

2026/03/28

يجب النظر إلى التعزيزات البريطانية، من زاوية طبيعة المشاركة الأوروبية الحالية - سواء بشكل مباشر أم غير مباشر - في العمليات العسكرية الأميركية بالشرق الأوسط.

رغم طغيان الدور الأميركي والإسرائيلي، في العدوان العسكري الذي يشن بالوقت الحالي على إيران، إلا أن أدواراً عسكرية أخرى مساندة، تبدو من حيث الشكل "هامشية"، لكنها تشكل بشكل أو بآخر جزءاً لا يتجزأ من "تحالف ظل عسكري"، تشارك بموجبه دول عدة في المنطقة وخارجها، في العمليات العسكرية، من دون أن تظهر في الواجهة، وعلى رأس هذه الدول تبقى بريطانيا، التي كانت خلال عقود ما قبل تأميم قناة السويس، تتصدر أي أنشطة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط، إلى أن دخلت في مسار التراجع الإقليمي والدولي، في مرحلة ما بعد ستينيات القرن الماضي.

ولعل الدور البريطاني في العدوان الحالي، والذي يرتبط في أغلب تفاصيله بالجوانب "الدفاعية"، لم يكن ليظهر بشكل واضح، لولا البيانات الأخيرة لوزارة الدفاع البريطانية، التي أعطت لمحة حول مساهمة لندن في المجهود العسكري الأميركي والإسرائيلي، والمتمحورة حول قاعدة "أكروتيري" الجوية البريطانية في قبرص، والتي تضم حالياً نحو 16 مقاتلة، نصفها من نوع "تايفون" والنصف الأخر من نوع "إف-35"، بجانب ثلاث طائرات للاستطلاع، وطائرتين مسيرتين من نوع "بروتيكتور أر جي-1"، وطائرتي تزويد بالوقود، وأربع مروحيات متعددة المهام، من نوعي "مارلين" و"وايلد كات".

وقد اتضح مؤخراً أن الدور البريطاني "الداعم" على المستوى الجوي، لا يقتصر فقط على هذه القاعدة، حيث تتمركز بشكل دائم في قاعدتي "العيديد" و"دخان" الجويتين في قطر، ما مجموعه ثماني مقاتلات من نوع "تايفون". على المستوى العملياتي - وبحسب البيانات الأخيرة لوزارة الدفاع البريطانية، يتم بهذه القدرات الجوية، تنفيذ دوريات قتالية فوق الأردن والبحرين وقطر والإمارات، بهدف اعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ الجوالة.

جدير بالذكر هنا، أن وزارة الدفاع البريطانية، قد أصدرت مؤخراً بياناً، قالت فيه إنه بات لدى الطيارين والطاقم الجوي البريطاني في منطقة الشرق الأوسط، أكثر من 1000 ساعة طيران، وأكثر من 70 اشتباكًا ناجحًا منذ بداية العمليات القتالية.

وأشارت الوزارة إلى أن قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، تستمر في تنفيذ مهامها الدفاعية ضد الطائرات المسيرة، بما في ذلك فوق قبرص والأردن، وهي مهام ربما يغلفها بشكل أساسي "الالتزامات الأوروبية تجاه قبرص"، لكنها في نفس الوقت تحمل مضمون "داعم" لأي تحركات عسكرية أميركية في المنطقة، سبق وتم التأكيد عليه خلال عملية غزو العراق عام 2003.

الدور العسكري البريطاني... توسع محدود

بشكل عام، حولت بريطانيا قاعدة "أكروتيري" الجوية في جزيرة قبرص، إلى نقطة ارتكاز رئيسية لعملياتها منذ بداية النشاط القتالي، إذ دعمت وجودها المسبق من مقاتلات "تايفون"، بنشر مقاتلات الجيل الخامس الشبحية  "أف-35"، إلى جانب إرسال مروحيات "وايلد كات" التي تمتلك قدرات جيدة على التصدي للطائرات المسيرة.

لكن بعد اقتراب الهجوم الأميركي/الإسرائيلي على إيران من شهره الأول، تم رصد وصول تعزيزات تابعة للبحرية البريطانية إلى الشرق الأوسط، تتمثل في غواصة من الفئة "أستوت"، وهي الغواصة "ANSON"، التي وصلت إلى نطاق بحر العرب.

كذلك وصلت إلى نطاق خليج سودا في جزيرة كريت، المدمرة "DRAGON"، وهي مدمرة صواريخ موجهة من الفئة "دارينج"، التي يتوقع أن تنفذ مهام الدفاع الجوي، بالتنسيق مع الدفاعات الجوية الموجودة في قبرص. تزامنت هذه التعزيزات مع بيان لوزارة الدفاع البريطانية، تحدث عن إسقاط الدفاعات الجوية البريطانية نحو 14 طائرة مسيرة في الأجواء العراقية، واللافت أن عمليات الاعتراض هذه، تمت باستخدام صواريخ "مارتليت" الموجهة بالليزر، والتي أُطلقت من منصات إطلاق "رابيد سنتري"، وهو نظام تم إدخاله للخدمة بشكل غير معلن مؤخراً، ويبدو أنه يتمركز في عدة نقاط بمنطقة الخليج، من بينها الكويت، وقد تم تعزيز هذا النظام، عبر نشر نظام الدفاع الجوي "سكاي سيبر" البريطاني في قبرص.

التعزيزات البريطانية التي تم رصدها في المنطقة، تشير إلى انخراط بريطاني أوسع في العمليات العسكرية الحالية، خاصة بعد وصول إحدى غواصاتها إلى منطقة تعتبر حداً أمامياً للقتال في منطقة الخليج العربي، علماً أن هذا التطور جاء متزامناً مع ما نقلته صحيفة "التايمز" البريطانية، عن وجود خطط لقيادة المملكة المتحدة وفرنسا، جهودًا دولية لإعادة فتح مضيق هرمز، عبر نشر أنظمة كشف الألغام غير المأهولة من نوع "MTXG" في المنطقة.

من ناحية أخرى، يجب النظر إلى التعزيزات البريطانية، من زاوية طبيعة المشاركة الأوروبية الحالية - سواء بشكل مباشر أم غير مباشر - في العمليات العسكرية الأميركية بالشرق الأوسط، والتي يؤطرها هدف توفير الدفاعات الكافية لحماية قبرص وتركيا.

فبجانب نشاط حاملة الطائرات الفرنسية في البحر المتوسط، سجلت ألمانيا حضورها بوصول الفرقاطة "نوردراين-فستفالن" إلى محيط قبرص، بينما وجهت إيطاليا فرقاطتها "مارتينينغو"، ضمن مهام أوروبية للرسو في قاعدة خليج سودا بجزيرة كريت، تمهيداً لانتقالها إلى المياه القبرصية، في حين أرسلت إسبانيا الفرقاطة المتقدمة "كريستوبال كولون" إلى مياه شرق المتوسط، وتستعد هولندا بدورها للحاق بهذا الركب، عبر تجهيز فرقاطة الدفاع الجوي "إيفرتسن".

يضاف إلى ذلك ما اتخذته اليونان من إجراءات، عبر إرسال الفرقاطتين "بيلهارا" و"بسارا"، ونشر 4 مقاتلات من نوع "إف-16" غرب قبرص، إضافة إلى تفعيل منظومة "باتريوت" للدفاع الجوي في جزيرة كارباثوس. هذه القدرات تمثل عملياً إضافة للدفاعات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، وربما سيكون لها دور أكبر في التصدي للمسيرات والصواريخ البالستية.

قصور في القدرات البريطانية على الانتشار العسكري

على المستوى البحري، أثار "تواضع" التعزيزات البحرية البريطانية إلى الشرق الأوسط - مقارنة بتعزيزات بحرية أوروبية أخرى، على رأسها التعزيزات الفرنسية - موجة من الجدل والانتقادات في الداخل البريطاني، وتساؤلات حول مدى جاهزية البحرية الملكية لعمليات الانتشار الخارجي، في ظل بطء عمليات بناء الفرقاطات البريطانية الجديدة من الفئة "سيتي"، التي يتوقع أن تدخل الخدمة بين عامي 2028 و2035.

مبعث هذه الانتقادات كان حقيقة أن الموقف الحالي في الشرق الأوسط، قد سلط المزيد من الأضواء على الحالة العملياتية لسلاح البحرية البريطاني، والذي من المفترض أن يواكب أهمية المسطحات المائية بالنسبة لبريطانيا، التي تأتي نحو 90 في المئة من وارداتها عبر البحر، بما في ذلك نحو نصف الطاقة التي تستهلكها بريطانيا.

هذه الانتقادات فتحت أيضاً نقاشات إضافية بشأن العائد الذي تحصلت عليه بريطانيا من مشاركاتها البرية في العمليات القتالية في أفغانستان والعراق، وكذا الخلافات الداخلية التي أثرت خلال السنوات الأخيرة على مستويات الإنفاق الدفاعي، الذي انخفض بنسبة 22% بين عامي 2009 و2017، وكان نصيب البحرية الملكية البريطانية من هذه التخفيضات هو الأكبر.

نتيجة لذلك، تمتلك بريطانيا اليوم رادعًا نوويًا متقادمًا، وأسطولًا من غواصات الهجوم النووي غير الجاهزة للنشر الميداني الفوري، وأسطولًا من سفن السطح وسفن الدعم متقلصًا بشكل كبير، ويبدو أن الواقع الحالي يمثل حصاد سعي الحكومة البريطانية الحالية، إلى تركيز قوتها البحرية المحدودة على شمال المحيط الأطلنطي، وهو ما يقتضي - في حالات الطوارئ - سحب القطع البحرية من هذا النطاق، لنشرها في مواقع أخرى.

وعلى الرغم من تصاعد موجة الانتقادات الداخلية، إلا أن أصواتاً أخرى تبشر بإمكانية استعادة بريطانيا حالة الردع البحري، في ظل عمليات بناء غواصات الصواريخ البالستية من الفئة "دريدنوت"، وفرقاطات الفئتين "سيتي" و"انسبيريشن"، وكذا ما  أوصت به مراجعة الدفاع الاستراتيجية البريطانية الأخيرة، بتوسيع أسطول غواصات الهجوم، وبناء سفن دعم برمائية جديدة، لكن يبقى هذا كله ضمن إطار التوجهات المستقبلية، التي لن تكون واقعاً ملموساً إلا في مراحل ما بعد عام 2030.

إلى ذلك الحين، ستبقى البحرية البريطانية نقطة ضعف أساسية في أي تحركات عسكرية أميركية منسقة في الشرق الأوسط، وهو ما يؤثر بشكل أو بآخر على الخطط الأميركية، ويضع بريطانيا في موضع "أقل" بكثير مما تطمح له على المستوى الدولي والجيوسياسي، وفيه تصبح دولة "داعمة" بشكل محدود للعمليات العسكرية الأميركية، وتسمح باستخدام قاعدتها الجوية في "فيرفورد"، لتنفيذ عمليات القصف الاستراتيجي الأميركية على الأراضي الإيرانية.

أخترنا لك
في محراب الكلمة ….متى تصبح الاجتماعات مضيعة للوقت ؟

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة