إذا أحسنت القاهرة قراءة اللحظة، وإذا أدركت أن تعظيم دورها يلتقي هذه المرة مع مصلحة إيرانية كما يلتقي مع مصلحة عربية أوسع، فقد تكون الحرب، بكل مأساتها، باباً إلى استرداد شيء من المعنى التاريخي الذي افتقدته المنطقة طويلاً.
بقلم| عمرو علان
لا تعد الحرب الجارية على الجمهورية الإسلامية في إيران مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة بين أطراف متنازعة على ميزان الردع، ولا هي حدث أمني يمكن قياسه بمقادير النار وحدها.
فمنذ انطلاق الضربات الصهيو-أميركية في الثامن والعشرين من شباط 2026، ثم امتداد الحرب إلى الخليج ولبنان وتعطل الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع كلفة الطاقة واتساع المجال الاستهدافي إلى البنية التحتية الحساسة، بات واضحاً أن المنطقة لا تعيش مجرد جولة تصعيد، بل تقف أمام لحظة تأسيسية قد تفرض على غرب آسيا والمشرق العربي معاً إعادة النظر في صورة الإقليم، وفي قواعد انتظامه، وفي الجهة التي تمتلك حق تعريف أمنه ومصالحه ومستقبله.
ضمن هذا الأفق، ينبغي عدم قراءة السؤال المصري من زاوية تكتيكية ضيقة، وكأنه متعلق فحسب باسم الدولة التي يمكن أن تحمل رسائل التهدئة أو تستضيف قناة اتصال بين المتحاربين. فالقضية الأعمق تتعلق بمكانة مصر نفسها في هندسة ما بعد الحرب.
صحيح أن الحديث العلني لم يتبلور حتى هذه اللحظة في صورة دور مصري معلن ومحدد المعالم لتولي وساطة تنهي الحرب، وإن كانت تقارير حديثة قد أشارت إلى محاولات مصرية وعُمانية لاستكشاف مخرج لوقف إطلاق النار قبل أن تتعثر بفعل تصلب المواقف الأميركية. لكن غياب الإعلان شيء، وغياب الإمكان السياسي شيء آخر مختلف تماماً. إذ إن الدول تدخل التاريخ من باب قابليتها الموضوعية لالتقاط اللحظة حين تنضج شروطها.
من هذه الزاوية تحديداً، يبدو راجحاً أن تكون طهران معنية، في المدى المنظور أو المتوسط، بإفساح المجال أمام دور مصري متعاظم، سواء اتخذ صورة وساطة مباشرة أم صورة رعاية سياسية أوسع لترتيبات الإقليم بعد انقضاء الحرب.
وليس مرد ذلك إلى مجاملة دبلوماسية، بل إلى إدراك بنيوي لطبيعة مصر بوصفها الدولة العربية الأكبر التي لا يزال اسمها، رغم كل ما اعتراه من إضعاف وتقييد خلال العقود الماضية، يحمل معنى الدولة المركزية ذات الثقل الجيوسياسي والرمزي معاً. فالقاهرة ليست مجرد عاصمة عربية كبيرة، بل إحدى العقد المؤسسة لفكرة المجال العربي نفسه. وحين تدخل المنطقة طور إعادة التشكيل، يستعيد وزن الجغرافيا التاريخية حضوره، وتعود الدول الحقيقية إلى مركز المشهد ولو بعد حين.
غير أن قيمة هذا الاحتمال لا تتحدد فقط بما يمنحه للقاهرة من فرصة لاستعادة دورها، بل بما يكشفه من تحولات أوسع في بنية النظام الدولي. فثمّة احتمال وازن بأن تفضي هذه الحرب، إذا عجزت الولايات المتحدة عن فرض أهدافها السياسية والعسكرية، إلى نتيجة ذات دلالة تاريخية تتجاوز ساحتها المباشرة.
ولا يتعلق الأمر هنا بانهيار أميركي وشيك بالمعنى الميكانيكي، بل ببداية انكشاف الحدود الفعلية للقوة الأميركية حين تصطدم بإقليم لم يعد قابلاً للإدارة بالصيغة ذاتها التي حكمته منذ نهاية الحرب الباردة.
وعند هذه النقطة يفرض تشبيه عام 1956 نفسه، لا بوصفه استعارة صحافية، بل بوصفه نموذجاً تاريخياً لكيفية تحوّل حرب إقليمية إلى علامة على تراجع مركز إمبراطوري. فالعدوان الثلاثي لم يكن مهماً فقط لأنه فشل عسكرياً وسياسياً، بل لأنه دشّن، على نحو لا لبس فيه، أفول بريطانيا العظمى بصفتها قوة إمبراطورية قادرة على الانفراد بصوغ المجال الذي عدّته حيوياً لمصالحها.
أما اليوم، فإن تعثر الولايات المتحدة في تحقيق غاياتها المعلنة والضمنية في هذه الحرب، في ظل استمرار الضربات الإيرانية واتساع الكلفة الاقتصادية والاضطراب الذي أصاب أسواق الطاقة والنقل البحري، قد يشكل لحظة مماثلة من حيث الدلالة، حتى إن اختلفت البنية الدولية والموضع التاريخي للقوة المهيمنة.
فالعالم الذي أعقب 1956 كان يتجه إلى ثبات نسبي تحت مظلة القطبية الثنائية، أما العالم الراهن فيعيش سيولة عميقة وتعددية غير مستقرة وتنافساً مفتوحاً على تعريف النظام نفسه. وهذا يعني أن أي تراجع أميركي لن يملأ تلقائياً بقوة واحدة بديلة، بل سيفتح فراغاً استراتيجياً واسعاً في المشرق العربي وغرب آسيا، بما يجعل سؤال من يملأ الفراغ، وكيف، وبأي تصور، سؤالاً مصيرياً لا يمكن تأجيله.
هنا يتعين الانتقال من منطق الترقب إلى منطق البناء. ذلك أن الفراغات الاستراتيجية لا تبقى فارغة، بل تستدعي قوى تسارع إلى احتلالها، إما من داخل الإقليم وإما من خارجه.
وإذا كان التراجع الأميركي قد يفتح إمكاناً تاريخياً أمام قوى المنطقة لإعادة تنظيم فضائها على أسس أكثر استقلالاً، فإن هذا الإمكان نفسه يمكن أن يضيع إذا أعيدت ترجمة اللحظة بلغات المحاور القديمة وعقائد الأمن المستورد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفكير إقليمي متماسك وواقعي، لا ينطلق من ردود الفعل، بل من تصور إيجابي لمصلحة جماعية تتجاوز الاستقطابات المصطنعة التي غذتها التدخلات الصهيو-أميركية على امتداد عقود.
في هذا السياق، يكتسب الحديث المتداول عن إمكان قيام صيغة تركية سعودية باكستانية مصرية لحماية مصادر الطاقة في الخليج دلالة تتجاوز عنوانه المباشر. فهذه الصيغة، إذا بُنيت على افتراض أن إيران هي الخطر المركزي الذي ينبغي تطويقه، لن تكون مدخلاً إلى استقرار جديد، بل ستعيد إنتاج البنية الأمنية ذاتها التي جعلت الإقليم رهينة دائمة للابتزاز الخارجي.
إذ إن جوهر الحكمة السياسية في هذه اللحظة لا يكمن في إنشاء محور ردع عربي إسلامي ضد إيران، بل في نزع الفتيل من التوترات المتراكمة على ضفتي الخليج، على أساس الاعتراف بأن قسطاً كبيراً من هذه التوترات لم يكن تعبيراً طبيعياً عن تناقضات عضوية بين شعوب المنطقة ودولها، بل صيغ تاريخياً تحت ضغط استراتيجيات التفكيك التي احتاجها المشروع الصهيوني واحتاجتها الولايات المتحدة لضمان استمرار قابلية الإقليم للإدارة من الخارج.
لعل أخطر ما كشفته الحرب الجارية أنها عرّت، مرة أخرى، الوهم الذي جرى تسويقه طويلاً باسم الحماية الأميركية. فالوجود العسكري الأميركي في المنطقة لم يثبت أنه ضامن لأمن الدول الحليفة بقدر ما ثبت أنه أداة لتكريس أمن الكيان الغاصب ولو على حساب توازن الإقليم بأسره.
وقد أظهرت الأسابيع الأخيرة أن البنية التحتية للطاقة والمياه والملاحة في الخليج باتت في قلب دائرة الخطر، وأن منطق الحرب نفسه يدفع نحو تعميم الكلفة على الجميع، لا نحو حماية أحد من أحد. وفي هذه الحال يغدو عبثياً التفكير في ترتيبات أمنية جديدة من دون المساس بجذر المعضلة، أي الوجود الأميركي الكثيف الذي حوّل الخليج إلى مسرح مفتوح للحروب بالوكالة ولإدارة الردع من خارج الإقليم.
وعليه، فإن تصوير أي حلف إقليمي مقبل على أنه حلف لحماية الطاقة من إيران لا يفعل سوى ضرب الأساس السياسي الذي يمكن أن تُبنى عليه صيغة إقليمية أكثر توازناً. فحين يُعاد تعريف أمن الخليج بوصفه أمناً ضد إحدى دوله الكبرى، يكون الإقليم قد اختار أن يدفن فرصة إعادة التوازن بيده.
أما الطريق الأجدر بالعقل الاستراتيجي فهو بناء مقاربة تنطلق من أن تقليص الوجود الأميركي المؤثر في الخليج، أو إنهاء صيغته المهيمنة، من شأنه أن يسحب الذرائع المفتعلة وأن يفتح الباب أمام هندسة أمنية تستند إلى المصالح المتبادلة لا إلى التهويل المتبادل. وبدلاً من تحويل الحرب إلى ذريعة لعسكرة الاصطفافات، ينبغي تحويلها إلى مناسبة تاريخية لتفكيك البنية التي تنتج الاصطفاف نفسه.
من هنا أيضاً يمكن فهم المصلحة العربية الحيوية في أن تكون هذه الحرب فرصة فعلية لاستعادة مصر دورها الطبيعي في المنطقة. ولا يتعلق الأمر هنا بحنين إلى ماض قومي أو باستدعاء وجداني لزمن عبد الناصر بقدر ما يتعلق بحقيقة بنيوية مفادها أن أي إقليم عربي يخلو من مصر الفاعلة هو إقليم مفتوح بالضرورة للتشظي والارتهان.
فعودة القاهرة إلى موقع الفعل ليست مكسباً مصرياً صرفاً، بل هي شرط من شروط إعادة تكوين الحد الأدنى من التوازن العربي في مواجهة خرائط التفكيك التي راكمها عصر الهيمنة الأميركية. وإذا كان تراجع السطوة الأميركية هو الشرط الدولي لهذه العودة، فإن اغتنام مصر لهذه الفرصة هو شرطها الذاتي.
لكن هذا المسار لا يمكن أن يستقيم على قاعدة تجاهل حقيقة أخرى لا تقل رسوخاً، وهي أن إيران، إذا انتهت الحرب من دون أن تنجح الولايات المتحدة و"إسرائيل" في فرض أهدافهما، ستخرج منها بوصفها الطرف الذي صمد وفرض حدود القوة المعادية ونجح في منع تحويل الحرب إلى آلية لإخراجها من التاريخ السياسي للإقليم.
وعندئذ لا يعود ممكناً التفكير بإعادة صياغة غرب آسيا على قاعدة تهميش دور المنتصر أو القفز فوق وزنه. فسياسة الإنكار لا تغيّر موازين القوى، بل تؤجل فقط لحظة الاعتراف بها بكلفة أعلى. ومن ثم تتشكل مصلحة مشتركة بين القاهرة وطهران في صياغة علاقة جديدة لا تقوم على المجاملة الخطابية ولا على التنافس الصفري، بل على إدراك متبادل بأن الإقليم الخارج من الحرب يحتاج إلى مركزَي توازن كبيرين، عربي وإقليمي، يتقاطعان بدل أن يتصادما.
هذا لا يعني بالطبع الدعوة إلى إقصاء السعودية أو تركيا، فضلاً عن باكستان بدرجة أقل. فالإقليم لا يعاد بناؤه بمنطق الاستبدال الأحادي، بل بمنطق الشبكة المتوازنة التي تأخذ مصالح الفاعلين الأساسيين جميعاً بالحسبان. غير أن الفرق بين صيغة ناضجة وصيغة مدمرة يكمن في الأساس الذي تقوم عليه.
فإذا كان الأساس هو استدعاء الخارج وتدوير الخوف وتكريس إيران بوصفها العدو البنيوي، فإن النتيجة الحتمية ستكون إعادة إنتاج الأزمة نفسها. أما إذا كان الأساس هو تقارب إيراني مصري يفتح المجال أمام تفاهمات أوسع مع الرياض وأنقرة وسواهما، فإن المنطقة تصبح أقرب إلى امتلاك فرصة حقيقية للخروج من منطق الحروب الدورية إلى منطق التوازن المنتج.
من هذه الزاوية، يمكن القول إن التقارب الإيراني المصري لا يبدو تفصيلاً ثانوياً في مشهد ما بعد الحرب، بل يبدو القاعدة الأمتن التي يمكن البناء عليها لإعادة تركيب الإقليم. فمصر تمنح هذا المسار شرعية عربية ومركزية جيوسياسية وامتداداً إلى المجال المتوسطي والمشرقي، فيما تمنحه إيران ثقلاً استراتيجياً وقدرة على فرض معادلات ردع جديدة وكسر الاحتكار الصهيو-أميركي لتعريف الأمن الإقليمي. وحين يلتقي هذان البعدان ضمن رؤية لا تستعدي السعودية ولا تركيا، بل تستوعب مصالحهما ضمن هندسة أوسع، يصبح الحديث ممكناً عن غرب آسيا مختلف، لا بوصفه ساحة تنازع، بل بوصفه كتلة تاريخية تبحث عن توازنها المفقود منذ انهيار الدولة العثمانية ودخول المنطقة حقبة التقسيم الاستعماري.
بل إن القيمة الأبعد لهذا التحول تكمن في أنه يفتح الباب أمام نقاش كان مؤجلاً حول مستقبل الكيان المؤقت نفسه، وحول مدى قدرته على الاستمرار في أداء وظيفته التخريبية إذا جاءت نتيجة الحرب على نحو يناقض ما أرادته واشنطن وتل أبيب. فالإقليم الذي ينجح في تقليص الهيمنة الأميركية، ويعيد إدخال مصر إلى قلب المعادلة، ويعترف بوزن إيران من دون تحويله إلى ذريعة لحرب دائمة، هو إقليم يقترب، بالضرورة، من الشروط التاريخية الضرورية لتفكيك البنية الاستعمارية التي حمت بقاء هذا الكيان ووظيفته. وعندئذ لا تعود المسألة مجرد تعديل في موازين القوى، بل تصبح بداية انتقال طويل من طور إدارة الاستعمار إلى طور التحرر منه.
في المحصلة، لا تكمن أهمية الحرب الراهنة في عدد الصواريخ ولا في الخرائط اليومية للضربات، بل في كونها قد تتحول إلى لحظة فاصلة بين إقليمين، أحدهما عرفته المنطقة منذ عقود تحت وطأة الهيمنة الأميركية والتفوق الصهيوني والتوترات المصطنعة، والآخر لم يولد بعد لكنه يلوح في الأفق من خلال الفراغ الذي بدأ يتكشف. وبين الإقليمين تقف مصر، لا باعتبارها وسيطاً محتملاً فحسب، بل باعتبارها ركناً لازماً في أي محاولة جادة لإعادة تعريف التوازن.
فإذا أحسنت القاهرة قراءة اللحظة، وإذا أدركت أن تعظيم دورها يلتقي هذه المرة مع مصلحة إيرانية كما يلتقي مع مصلحة عربية أوسع، فقد تكون الحرب، بكل مأساتها، باباً إلى استرداد شيء من المعنى التاريخي الذي افتقدته المنطقة طويلاً. وإن لم يحدث ذلك، فإن الخطر لن يكون فقط في ضياع فرصة عابرة، بل في أن يعاد إنتاج الفشل العربي القديم في لحظة كانت شروط تجاوزه أوضح من أي وقت مضى.