من الهضبة الإيرانية إلى المحيط الهندي: كيف يرسم استهداف "دييغو غارسيا" خريطة الردع؟

2026/03/23

 كيف أسقطت صواريخ إيران نحو قاعدة "دييغو غارسيا" أسطورة "المسافات الآمنة" لواشنطن وحلفائها؟

في تطوّر دراماتيكي كسر قواعد الاشتباك المعهودة وأسقط رهانات "المسافات الآمنة"، أطلقت إيران صاروخين باليستيين بعيدي المدى باتجاه قاعدة "دييغو غارسيا" الأميركية-البريطانية المشتركة في قلب المحيط الهندي.

تلك القاعدة "الجاثمة" فوق الشُعب المرجانية المعزولة، والتي طالما اعتبرتها واشنطن ولندن "حصناً عصياً" ومرتكزاً آمناً لشنّ عملياتهما العسكرية ضدّ آسيا وغيرها، تقف اليوم وجهاً لوجه أمام الصواريخ المنطلقة من الهضبة الإيرانية.

فبعد انخراط القاعدة المباشر في العدوان الأميركي-الإسرائيلي الأخير على إيران، تحوّلت "دييغو غارسيا" إلى عنوان لرسالة إيرانية تتجاوز حدود الجغرافيا المألوفة للصراع، فما هي دلالات هذا الاستهداف؟ وما هي الرسائل التي أرادت طهران إيداعها في "صندوق بريد" واشنطن ولندن؟

تجاوز الـ4000 كيلومتر: حين يسقط حاجز المسافة

لم تكن المحاولة الإيرانية لاستهداف "دييغو غارسيا" مجرّد تجربة صاروخية عابرة بل هي "صدمة جغرافية" هزّت أروقة القرار في واشنطن ولندن وفق الصحف الأميركية؛ فالمسافة التي تفصل السواحل الإيرانية عن هذه القاعدة الاستراتيجية تتجاوز الـ4000 كيلومتر، ما يعني أنّ طهران قرّرت رسمياً إدخال "العمق الاستراتيجي" لجهات العدوان ضدّها في دائرة النار.

وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية أنّ عملية الإطلاق الصاروخي من إيران تعتبر "تصعيداً حادّاً في القدرات والنيّات"، كونها واحدة من أطول وأجرأ الضربات التي حاولت طهران تنفيذها في تاريخها المعاصر.

وعلى الرغم من أنّ صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية نقلت عن عدّة مسؤولين أميركيين أنّ الصواريخ الإيرانية لم تصب أهدافها في قاعدة "دييغو غارسيا" بزعم تعطّل صاروخ واعتراض الآخر عبر مدمّرة أميركية باستخدام صاروخ  من نوع "SM-3" إلا أنّ القلق الحقيقي في البنتاغون لا ينبع من "دقة الإصابة"، بل من جرأة "المحاولة" ذاتها.

إنّ المفارقة هنا تكمن في كسر "السقف المعلن من قبل واشنطن"، إذ يشير مكتب مدير المخابرات الوطنية الأميركية (وفق رويترز) إلى امتلاك طهران أضخم مخزون صاروخي في المنطقة، رابض -بحسب الادعاءات الغربية- في أحشاء الهضبة الإيرانية المحصّنة بسلاسل جبال (زاغروس وألبرز)، بمدى مُعلن يبلغ 2000 كيلومتر، وهو المدى الذي كانت طهران تعتبره كافياً للردع والوصول إلى العمق الإسرائيلي عبر صواريخ مثل "سجيل"، "عماد"، "قدر"، و"خرمشهر".

ومع كشف النقاب عن تفاصيل المحاولة، يتجه الاعتقاد لدى المسؤولين الأميركيين إلى أنّ الصواريخ المستخدمة كانت على الأرجح من طراز "خرمشهر-4"، وهو الصاروخ الذي طالما قدّر محللون استراتيجيون أنّ مداه المحتمل قد يتجاوز عتبة الـ 2000 كيلومتر ويحمل رأساً حربياً ما بين 1500 إلى 1800 كيلوغرام.

ونقلت "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين إسرائيليين أنّ "حملة القصف على إيران أضرّت بقدراتها الهجومية إلّا أنّ الصواريخ بعيدة المدى على قاعدة دييغو غارسيا تُظهر أنّ هذه القدرات لا تزال سليمة".

لكنّ بلوغ الصواريخ الإيرانية مشارف "دييغو غارسيا" يعني أنّ تلك "المدن الصاروخية" الرابضة تحت الأرض في كرمانشاه وسمنان والخليج، قد أخرجت من أحشائها جيلاً جديداً من الصواريخ العابرة للمحيطات، لتقول للعالم: إنّ حدود الردع الإيراني لم تعد تقف عند حدود الإقليم، بل باتت تطال الملاذات الأطلسية البعيدة.

"دييغو غارسيا": من "منصة العدوان" إلى "مأزق لندن"

لا يمكن فهم انطلاق الصواريخ الإيرانية تجاه "دييغو غارسيا" من دون العودة إلى الأرشيف القريب والمثقل بالدماء والبارود. فهذه القاعدة لم تكن مجرّد مستودع للأسلحة، بل كانت رأس الحربة في "حرب الـ 12 يوماً" ضدّ إيران في حزيران/يونيو 2025، إذ انطلقت منها القاذفات الأميركية لضرب قلب البرنامج النووي الإيراني في "فوردو" و"نطنز" و"أصفهان".

اليوم، يعود المشهد ليتكرّر مع عدوان شباط/فبراير 2026، حيث لم يتوانَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استخدام الجزيرة "سوطاً" يلوّح به في وجه طهران. ففي تدوينة له عبر منصة "تروث سوشيال" للتواصل الاجتماعي في 19 شباط/فبراير، وضع ترامب "دييغو غارسيا" ومطار "فيرفورد" البريطاني كخيارات لاستهداف إيران إذا لم تبرم اتفاقاً بشروط واشنطن، وذلك بالتزامن مع عقد المفاوضات بين الطرفين.

وهنا، تبرز دراما السياسة البريطانية؛ فرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي زعم طويلاً التمسّك بـ "القانون الدولي" ورفض الانجرار إلى حرب لا يريدها، وجد نفسه تحت نيران الانتقادات اللاذعة من حليفه في البيت الأبيض. ترامب، وبأسلوبه المعهود، لم يخفِ "خيبته الكبيرة" من ستارمر، واصفاً تردّده في مقابلة مع صحيفة "التلغراف" البريطانية بأنّه "أمر لم يحدث من قبل بين بلدينا".

ويبدو أنّ الضغط الأميركي قد فعل فعله، فبعد ممانعة بدعوى "التأكّد من شرعيّة العمل العسكري"، استسلم ستارمر في 20 آذار/مارس الجاري، مانحاً الإذن لواشنطن باستخدام القاعدة لضرب المواقع الصاروخية الإيرانية وتدمير القدرات  الإيرانية في مضيق هرمز، حتى وإن كان من منطق دفاعي وليس هجومي ضدّ المواقع الإيرانية.

هذا التحوّل في الموقف البريطاني استدعى رداً إيرانياً حاداً، لم يأتِ هذه المرة عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية فحسب، بل عبر مخاطبة "العمق البريطاني". فوزير الخارجية عباس عراقتشي، وفي منشور في منصة "إكس" للتواصل الاجتماعي، وضع النقاط على الحروف: "ستارمر يتجاهل شعبه ويُعرّض حياة البريطانيين للخطر"، مشدّداً على أنّ "طهران ستمارس حقّها المشروع في الدفاع عن النفس".

عراقتشي لم يطلق هذا الكلام من فراغ، فهو يرتكز على حقيقة ميدانية في الداخل البريطاني كشفتها استطلاعات (يوغوف YouGov)، حيث يعارض نحو 50% من البريطانيين الحرب ضد إيران.

وفي تأكيدٍ لافتٍ من الداخل البريطاني، يرى المحلّل العسكري لشبكة "سكاي نيوز" البريطانية، شون بيل، أنّ تجاوز الصواريخ الإيرانية لعتبة الـ2000 كيلومتر يضع قدرات طهران في مربّع التحدّي الحقيقي.

وبحسب بيل، فإنّ "دييغو غارسيا" على الرغم من صبغتها البريطانية، تقع تحت سيطرة أميركية شبه كاملة، وبما أنّ واشنطن هي من تقود الحرب، فإنّ القاعدة تُعدّ "هدفاً مشروعاً تماماً" من منظور طهران، خاصة وأنّها المنصة التي تنطلق منها العمليات العدوانية ضدّها.

"دييغو غارسيا": "حاملة الطائرات" التي لا تغرق وعصب السيادة الاستخباراتية

لكي ندرك حجم القلق الذي انتاب واشنطن، علينا أن نعرف ما تمثّله "دييغو غارسيا" في العقيدة العسكرية الأميركية فهي ليست مجرّد قاعدة في أقاصي المحيط، بل هي "حاملة الطائرات التي لا تغرق". فمنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تحوّلت الجزيرة إلى أكبر ورشة توسّع عسكري أميركي منذ حرب فيتنام (1970)، لتصبح "الذراع الطولى" التي تمنح واشنطن نفوذاً حاسماً في أزمات "الشرق الأوسط" وآسيا وأفريقيا.

وتكتسب القاعدة خصوصيتها من كونها منصّة الانطلاق المفضّلة للقاذفات الاستراتيجية الثقيلة مثل "بي-52" و"بي-2" (الشبح). من مدارجها انطلقت الغارات التي استهدفت العراق في حرب الخليج الثانية (1991) وغزو (2003)، ومنها أُديرت العمليات في أفغانستان، ومنها انطلقت لضرب اليمن.

كما أنّ تاريخ القاعدة يحمل أيضاً وجهاً مظلماً؛ فقد كانت محطة أساسية في "برنامج التسليم الاستثنائي" التابع لوكالة المخابرات المركزية (CIA)، حيث استضافت سجوناً سريّة وخضع فيها المعتقلون لاستجوابات بعيداً عن أيّ رقابة قانونية دولية.

وبالنسبة لطهران، "دييغو غارسيا" هي "الخطر الداهم" فهي المكان الوحيد الذي تراهن عليه واشنطن للانطلاق وضرب العمق النووي الإيراني -كما حدث في "حرب الـ 12 يوماً" عام 2025- مع بقاء القاذفات الأميركية، نظرياً، خارج مدى الصواريخ الإيرانية التقليدية. هذه "الميزة الجغرافية" هي ما جعلت الصواريخ الباليستية الأخيرة بمثابة "صدمة تقنية" أسقطت مفهوم "الحماية بالمسافة".

وفي خضمّ هذا الصراع العسكري، يبرز مأزق سيادي بين لندن وواشنطن؛ فاتفاق "نقل جزر تشاغوس" الذي وقّعه ستارمر مع موريشيوس في أيار/مايو 2025 (بعقد إيجار لـ 99 عاماً)، أثار حنق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يصف هذه الجزر بأنّها "استراتيجية للغاية".

ترامب، الذي لا يرى في السياسة الدولية إلا لغة "الاستحواذ"، وصف الخطوة بـ "الحماقة الكبرى" و"الضعف"، معتبراً أنّ تخلّي بريطانيا عن سيادتها على الجزيرة يفتح الباب للصين وروسيا، وهو ما يفسّر ضغطه الهائل على ستارمر لانتزاع "الإذن العسكري" الأخير، لضمان بقاء هذه "الجوهرة الاستراتيجية" تحت القبضة الأميركية المطلقة.

إنّ استهداف إيران لـ "دييغو غارسيا" يضع القوات الأميركية وتسليحاتها وإداراتها أمام تحدٍّ كبير، ويجبر واشنطن على إعادة النظر في خططها الاستراتيجية، وفق محلّلين إيرانيين.

فهل سيعني استهداف قاعدة "دييغو غارسيا" إخلالاً تاماً للقواعد والأساطيل الأميركية في "الشرق الأوسط" والمياه الإقليمية، لما تتمتع به من موقع جيواستراتيجي، وضمّها لأهمّ المنشآت اللوجستية والتنسيقية الممتدة من المحيط الهندي وصولاً إلى بحري العرب والأحمر والمياه الخليجية.

أخترنا لك
كمال جنبلاط شاعر الاستعارات القصوى والفرح المأساوي

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة