تهديد ترامب بضرب مراكز الطاقة في إيران.. بعيونٍ إسرائيلية!

2026/03/23

لكن، ماذا بالنسبة إلى ـ"إسرائيل"، وأين هي من هذا التصعيد الجديد من طرف الرئيس ترامب، وهل من مصلحتها أن يُنفّذ الرئيس الأميركي تهديده؟

ربما من المناسب، لفهم الموقف الإسرائيلي، أن نعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء حين هاجمت "إسرائيل" مرتين مرافق النفط والطاقة في إيران، وجرى تحذيرها ومنعها مرتين كذلك من قِبل الولايات المتحدة؛ الأولى حين حذرها السناتور الجمهوري ليندسي غراهام بضرورة توخي الحذر حين تهاجم أهدافاً في إيران بعد أن قصفت مستودعات للنفط، والثانية، حين أعلن ترامب صراحةً أنه طلب من نتنياهو أن يمتنع عن قصف منصات الغاز بعد أن شنت "إسرائيل" هجوماً على حقل غاز "بارس" الجنوبي وردّت طهران بقصف حقل غاز في قطر.   

اعتبر المراقبون حينها، أن السلوك الإسرائيلي يؤشر بشكل واضح إلى رغبة إسرائيلية محمومة في استدراج الولايات المتحدة للانتقال خطوة إلى الأمام في التصعيد، عبر استهداف مرافق للبنية التحية المدنية للطاقة ذات التأثير المباشر على حياة الإيرانيين وليس النظام فحسب، في محاولة لدفعهم، تحت وطأة الحاجة، إلى الخروج على النظام، خاصةً بعد أن عجزت الضربات المتلاحقة على البنية الأمنية والعسكرية للدولة أن تقود إلى ذلك.

هذه الخطوة التي ظل ترامب يتجنبها على اعتبار أن مرافق الطاقة والكهرباء والماء تخدم الشعب الإيراني ولم يشأ في هذه المرحلة "إيذاءه"، خاصةً أن الولايات المتحدة شنت حرباً كانت إحدى ذرائعها "الانتصار للشعب الإيراني المقهور وتحريره من الطغاة".

الأمر الآخر الأهم، هو أن الولايات المتحدة ترى أن بقاء مرافق الطاقة الحيوية هذه، يُمكن الاستفادة منه في إطار العمليات الاقتصادية والتجارية المزمعة مع النظام الجديد في إيران، حال سقوط النظام الحالي.

ومع اقتراب انتهاء مهلة الإنذار التي حدّدها ترامب، تُبدي "إسرائيل" رغبة بتنفيذ هجوم واسع على منشآت الطاقة في إيران، وتُظهر دعماً كبيراً لهذه الخطوة رغم العواقب المتوقعة عليها في ظل التهديد الإيراني بالرد على مراكز الطاقة الحيوية الإسرائيلية، خاصة في ظل عجز "إسرائيل" المتزايد عن التصدي للصواريخ الإيرانية التي تستهدفها.

لكن هذه المخاوف لم تقلل من حماسة "إسرائيل" لخطوة ترامب التي ترى أنها، إن نُفّذت، فإن لدى "إسرائيل" المقدرة على التعامل مع التحديات والتداعيات التي تترتب عليها.

يستند "الشغف" الإسرائيلي بخطوة الرئيس ترامب، إلى القناعة بأن منظومات الاعتراض الإسرائيلية ستكون قادرة على التعامل مع غالبية الصواريخ الإيرانية التي قد تستهدف بُنى الطاقة لديها، كما سبق أن فعلت، حتى اللحظة، منذ بداية الحرب، وإن ليس بصورة مُطلقة.

وفي أسوأ الأحوال، وفيما لو أصيب بعض هذه البُنى بفعل الصواريخ الإيرانية، فإن الثمن المترتب على هذه الاستهدافات، لا يقارن بقيمة الإنجازات التي قد تحصدها "إسرائيل" في حال توسعت الحرب بما يسرع تحقيق الهدف الإسرائيلي "الأسمى" بإسقاط النظام الإيراني.

أما الشق الآخر من المقاربة الإسرائيلية، فيقوم على فكرة أن إيران، وتوازياً مع ضرب بعض الأهداف الطاقوية الإسرائيلية، ستصب جام غضبها على مصادر الطاقة لدى حلفاء واشنطن في الخليج، ما يعني الزجّ بهذه الدول في أتون المواجهة وربما يدفعها إلى الاصطفاف العلني مع "إسرائيل" والولايات المتحدة في هذه المواجهة، بما يوسع الائتلاف المناوئ لإيران ويضمن نصراً سريعاً عليها!.    

‏لكن السؤال المطروح إسرائيلياً، هل هذا إنذار حقيقي أم محاولة من طرف ترامب لتصعيد المواقف تمهيداً لمفاوضات محتملة؟

ويبدو للإسرائيليين أنه إنذار غريب نوعاً ما، فإذا كان ترامب قد اتخذ قراراً فعلياً باستهداف ما يُسمى أصول الشعب الإيراني، أي البُنى التي يُفترض أن تبقى بعد سقوط النظام، فإن ضرب محطات توليد الكهرباء التي تُغذي المستشفيات والمنازل ليس منطقياً، خاصة في مجتمع مؤدلج.

ثم، لو كان الهدف التصعيد فعلاً، ألم يكن الأولى استهداف جزيرة خرج، مركز صناعة النفط، أو السماح لـ"إسرائيل" بضرب منشآت الغاز!.

لذلك، قد يكون ما يجري، وفق الفهم الإسرائيلي، محاولة غير مباشرة للدفع نحو مفاوضات ثم التراجع مقابل مكاسب معينة. لكن مشكلة هذا الاستنتاج أن الطرف الآخر، الإيراني، لا يبدو مستعداً للتفاوض، ولا توجد مؤشرات، حتى الآن، على أن هذا المسار قد يؤدي إلى اختراق حقيقي أو أنه يؤثر بشكل ملموس على الإيرانيين.

زد على ذلك، أن أكثر القضايا إثارة للقلق الإسرائيلي هي هذا التناقض في تصريحات الرئيس الأميركي، فقبل يوم واحد فقط من الإنذار، تحدث ترامب عن إمكانية تهدئة الوضع، ثم غرّد بعدها أنه "أزال إيران عن الخارطة وقضى على قادتها"!. ثم فجأة، ومن دون أي توضيح علني، أطلق تهديداً أشد خطورة، وأوقف العالم مشدوداً على حافة لحظة قد تتحول فيها حرب إقليمية إلى أزمة عالمية، إذ لم يعد السؤال ما إذا كان التصعيد سيحدث، بل إلى أي مدى سيصل.

يعلم ترامب جيداً أن إيران لن تفتح مضيق هرمز، تحت التهديد، لكنه يدرك كذلك أن قصف منشآت الطاقة الإيرانية لن يضر إيران فقط، بل سيرتد على حلفائه في الخليج وفق معادلة "الطاقة مقابل الطاقة" ومع ذلك، ربما يختار تنفيذ التهديد والتصعيد بدلاً من إنهاء الحرب، ويستمر في الهروب والصعود إلى أعلى الشجرة. فترامب ونتنياهو لا يمانعان حرق المنطقة بأكملها إرضاء لغرورهما وتحقيقاً لأهداف شخصية وسياسية وليذهب الجميع إلى الجحيم.

أخترنا لك
أحزاب اليسار الاسرائيلي مهددة بالزوال بعدما كانت قوة سياسية مهيمنة

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة