الهيمنة الأميركية التي قامت بعد 1945 على مزيج متكامل من التفوّق الاقتصادي والعسكري والمؤسساتي، فقدت ركيزتها الاقتصادية الأولى وأصبحت تعتمد على القوة العسكرية وحدها، وهذا ما يُعجّل سقوطها.
في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، شنّت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عدواناً جوياً مشتركاً على الجمهورية الإسلامية في إيران أسفر عن اغتيال قائد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي في مقرّ عمله ومعه أفراد من عائلته، إلى جانب عدد من القيادات العسكرية والسياسية العليا.
جاء هذا العدوان بينما كان المفاوضون الإيرانيون يتداولون مع الجانب الأميركي عبر وساطة عُمانية حول الملف النووي، وذلك بعد أن أعلن وزير الخارجية عباس عراقتشي قبل ثلاثة أيام أن اتفاقاً تاريخياً بات وشيكاً.
وهذا التوقيت يكشف أن المفاوضات كانت غطاءً لاستكمال أضخم حشد عسكري أميركي في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003، وأن قرار الحرب كان مُتّخذاً مسبقاً بصرف النظر عن أي مسار دبلوماسي، وهو ما كشفته واشنطن بوست لاحقاً حين أفادت بأن ولي العهد السعودي ونتنياهو مارسا ضغوطاً متكررة على ترامب لاتخاذ هذا القرار.
لا يمكن فهم هذه الحرب خارج سياق الأزمة البنيوية الخانقة التي يعيشها مركز النظام العالمي. فالولايات المتحدة التي فقدت تفوّقها الصناعي منذ سبعينيات القرن الماضي ولجأت إلى الأمولة وشبكات العولمة المالية بديلاً عن الإنتاج الحقيقي، تواجه اليوم ديوناً تتجاوز 38 تريليون دولار مع فوائد سنوية تفوق التريليون، وتآكلاً متسارعاً في قيمة عملتها وفي ثقة حلفائها بها.
وقد خسرت حربها التجارية أمام الصين التي رفعت فائضها التجاري إلى تريليون ومئتي مليار دولار في العام الماضي، فيما فشلت سياسات الرسوم الجمركية في إعادة الصناعة الأمريكية إلى الداخل أو إخضاع بكين.
وما زالت روسيا مستمرة في حرب التخوم الجارية في أوكرانيا ولم تتعثر حتى الآن. وظلَّت كوبا – وما زالت – صامدة وعنيدة عصية على الكسر، وراحت فنزويلا تعزز مكانتها الإقليمية بل وتطالب برسم حدودها كما رسمها سيمون بوليفار بضمّ إقليم غويانا إيسيكيبا الغني بالنفط والموارد الطبيعية رسمياً وعملياً إليها، لكنها اضطرت مؤخراً إلى تراجع تكتيكي – وليس هزيمة – تحت وطأة العدوان والترسانة العسكرية الأميركية في ظل تفوق ساحق على مستوى التكنولوجيات العسكرية المتاحة لدى البلاد خارج سيناريو الغزو العسكري.
وعليه، لم يعد اللجوء إلى القوة العسكرية والعنف المميت خياراً بين خيارات عديدة لردع المنافسين والمتمردين، وإنما المسار الأخير لهيمنة فقدت أدواتها الاقتصادية ولم يبقَ في جعبتها إلا ورقة السلاح والتهديد والابتزاز لفرض شروطها على العالم.
هذا التوسع الإمبريالي المفرط، أي التحوّل نحو العسكرة المفرطة، ليس استثناءً في تاريخ القوى المهيمنة حين تدخل مرحلة التراجع والأفول. فبريطانيا في أواخر القرن التاسع عشر خاضت حروب البوير حين فقدت ريادتها الصناعية أمام ألمانيا والولايات المتحدة ذاتها.
واليوم تعيد واشنطن إنتاج هذا النمط بصورة أكثر تسارعاً وعنفاً وتخبّطاً: عسكرة البحر الكاريبي ثم العدوان على فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو في مطلع العام الجاري طمعاً بنفط بلاده الذي يُعدّ الأكبر احتياطياً في العالم، ثم الحصار الاقتصادي والنفطي على الجزيرة الكوبية الصامدة، إلى جانب التدخل في بنما والتهديد بضمّ غرينلاند وكندا لمعادنهما ومواقعهما، وإعلان الخارجية الأميركية رسمياً أن نصف الكرة الغربي منطقة نفوذ أميركية استناداً إلى مبدأ مونرو، ثم شنّ الحرب على إيران.
والملفت أن كل خطوة جاءت بعد إخفاق سابقتها في تحقيق أي مكسب فعلي، بما يعني أن واشنطن تُراكم الأزمات بدل معالجتها في دوامة تسارعية مميّزة لمراحل التوسع الإمبريالي المفرط.
ولا يُفهم العدوان على إيران بمعزل عن الوظيفة البنيوية التي يؤدّيها الكيان الصهيوني داخل منظومة الهيمنة الأمريكية في المنطقة. فهذا الكيان الاستعماري الاستيطاني الإبادي لم يُقم إلا ليعمل كقاعدة عسكرية وأمنية متقدمة تحمي مصالح المركز الرأسمالي في منطقة الطاقة والممرات التجارية الحيوية في غرب آسيا.
ومنذ حرب عام 1967 تحديداً، تحوّل إلى أداة ضبط إقليمي تتولّى مهام القمع والتخريب والاغتيال نيابة عن واشنطن. وقد كشف نتنياهو ذاته عن هذه الوظيفة حين ربط تدمير إيران بتأمين الممر التجاري البحري والبري بين الهند وميناء حيفا مروراً بالسعودية والإمارات.
أي أن الحرب على إيران في بُعدها الصهيوني، إلى جانب كونها وجودية من حيث المبدأ، فهي أيضاً حرب على أي بديل لخطوط التجارة التي تهيمن عليها واشنطن، وعلى أي مشروع طاقة أو نقل لا يمرّ تحت وصايتها، بل وعلى أي مشروع استقلال حقيقي في العالم العربي وغرب آسيا عموماً.
في المقابل، راكمت إيران على مدى خمسة عقود من عمر ثورتها الإسلامية تجربة مستمرة في التصدي للمشاريع الأمريكية المتعاقبة في كل عقد: حرب الثمانينيات المدعومة غربياً عبر نظام صدام حسين، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية في التسعينيات عبر مسار أوسلو، والاحتلال الأمريكي المباشر للعراق وأفغانستان بعد عام 2001، ثم موجة التنظيمات التكفيرية التي حاولت ابتلاع سوريا والعراق ولبنان في العقد الذي تلاه.
وفي كل مرحلة، أثبتت طهران قدرتها على الصمود وإعادة بناء منظومتها الدفاعية والأمنية، ليس بالعتاد العسكري وحده، وإنما ببناء تحالفات إقليمية – وأوراسية – صلبة مع حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن وفصائل المقاومة في كل من العراق وفلسطين، وهو ما أنتج محور مقاومة يُشكّل التحدي الأبرز والأكثر استدامة للمشروع الأميركي-الصهيوني في المنطقة بأسرها.
بيد أن ما ميّز هذه الحرب عن سابقاتها هو مستوى الوحشية الممنهجة والمتعمّدة في الضربة الافتتاحية وما تلاها. فاستهداف السيد خامنئي في منزله ومقرّ عمله مع أفراد عائلته، وقصف اجتماع مجلس خبراء القيادة التمهيدي لاختيار المرشد الجديد، وقصف مقرّ هيئة الإذاعة والتلفزيون ومبنى البرلمان الإيراني، كل ذلك يُشير إلى هدف واحد لا لبس فيه: تفكيك بنية الدولة الإيرانية بمؤسساتها السيادية بالكامل وليس مجرد ضرب منشآت عسكرية محددة. وقد أكد ترامب ذلك حين دعا صراحة إلى إسقاط النظام ثم طالب متوهِّماً بـ"استسلام غير مشروط". لقد كشف الرهان على انهيار الداخل الإيراني عن جهل بنيوي بعمق الدولة الحضارية الإيرانية، وتماسك نسيجها المجتمعي، وقوة وصلابة الثورة الإسلامية وقاعدتها الاجتماعية.
وقد تعدّى العدوان كل حدود القانون الدولي والأعراف الإنسانية حتى بات يحمل سمات إبادية واضحة. فبحلول اليوم الثالث عشر للحرب، أحصى الهلال الأحمر الإيراني ارتقاء أكثر من 1300 مدني من بينهم أكثر من 200 طفل و200 امرأة، فضلاً عن تضرر قرابة 20,000 مبنى مدني وتدمير 77 مركزاً طبياً و65 مدرسة ومنشأة تعليمية.
وكان أشدّ هذه الجرائم بشاعة استهداف ضربة أميركية مباشرة لمدرسة ابتدائية للبنات أسفرت عن ارتقاء 165 طفلة على الأقل، ما دفع البنتاغون ذاته إلى فتح تحقيق رسمي. كما حذّرت منظمة الصحة العالمية من تساقط "أمطار سوداء" سامة ناجمة عن قصف مستودعات الوقود في إيران، وأعلنت الأمم المتحدة نزوح أكثر من 3.2 ملايين إيراني من منازلهم. وقد أُلحقت أضرار بمواقع تراثية عالمية مدرجة في قائمة اليونسكو منها على سبيل المثال لا الحصر قصر كلستان التاريخي في طهران.
أما الردّ الإيراني فقد جاء خلال ساعة واحدة من الضربة الأولى بمنهجية وكثافة وسرعة اعترفت واشنطن بوست أنها فاجأت واشنطن وتل أبيب على حدّ سواء. وفي إطار عملية "الوعد الصادق 4"، أطلقت إيران حتى اليوم الثالث عشر للحرب أكثر من أربعين موجة هجومية بمُسيّرات متنوعة وصواريخ استراتيجية من طرازات "فتاح" و"عماد" و"خيبرشكن" و"خرمشهر" و"قدر" برؤوس حربية تتراوح أوزانها بين 550 كيلوغراماً وما يزيد على طن ونصف، وفق ما أكده قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري العميد مجيد موسوي.
واستهدفت هذه الموجات مقرّ هيئة الأركان الإسرائيلي ووزارة الحرب في مجمّع "هكريا" بتل أبيب، ومركز "هيلا" للاتصالات الفضائية، إلى جانب مواقع أخرى في الأراضي المحتلة والقواعد الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج. كما أُجبرت حاملة الطائرات الأمريكية لينكولن على الابتعاد عن السواحل الإيرانية تحت وطأة الضربات المتكررة والدقيقة.
لكن الورقة الأشد تأثيراً في يد طهران كانت إغلاق مضيق هرمز الذي يمرّ من خلاله نحو خُمس النفط المتداول عالمياً وأكثر من 20 مليون برميل يومياً. ففي الأيام الأولى أعلن الحرس الثوري حظر المرور عبر المضيق وهدّد بضرب أي سفينة تحاول العبور، فتوقفت حركة الناقلات بالكامل بعد أن علّقت شركات نقل كبرى مثل "ميرسك" و"هاباغ-لويد" عملياتها وأُلغي التأمين البحري عن السفن العابرة.
وبحلول اليوم الثالث عشر باتت أكثر من 500 ناقلة نفط عالقة في مياه الخليج، فيما أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن هذه الحرب تسبّبت في "أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمي" بتراجع الإمدادات 8 ملايين برميل يومياً. ولم يكن الإفراج عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية كافياً لتهدئة الأسواق التي تجاوز فيها سعر البرميل 100 دولار ولامس 120 دولاراً.
على الجبهة اللبنانية، أثبت حزب الله أن الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ عام 2023 لم تنجح في تصفية قدراته كما زُعِمَ مراراً. فقد دخل المعركة في الثاني من آذار/مارس بصواريخ ومسيّرات على شمال الكيان، ثم صعّد تدريجياً حتى نفّذ عمليات مشتركة مع الحرس الثوري الإيراني استمرت خمس ساعات متواصلة واستهدفت أكثر من 50 موقعاً في عمق الأراضي المحتلة. وفي اليوم الثالث عشر شنّ أكبر هجوم صاروخي له بنحو 200 صاروخ دفعة واحدة طال منطقة حيفا والجليل بأكمله.
وردّ الكيان بقصف مدمّر في الجنوب امتد وصولاً إلى قلب بيروت بالقرب من البرلمان اللبناني ومكاتب المنظمات الدولية، مما أسفر عن ارتقاء نحو 700 شهيد ونزوح أكثر من 800 ألف لبناني. بيد أن هذا العنف المفرط لم يُسكت المقاومة اللبنانية، بل دفعها إلى مزيد من التصعيد الممنهج وصولاً إلى عمليات "العصف المأكول" وتنسيق التصعيد والاستهداف مع الحرس الثوري الإيراني.
أما في الداخل الإيراني، فقد أسقطت الاستجابة الشعبية الواسعة كل رهانات واشنطن و"تل أبيب" على انقسام الجبهة الداخلية واندلاع فوضى تُسهّل الإطاحة بالنظام. فبدل الانتفاضة التي كان يتوقعها ترامب ونتنياهو ويدعوان إليها علناً في خطاباتهما الموجّهة للشعب الإيراني، خرجت مسيرات حاشدة بمئات الآلاف وبالملايين في طهران وعشرات المدن الأخرى تعبيراً عن الوحدة الوطنية في مواجهة العدوان، وشارك فيها حتى قطاعات من المعارضة الداخلية ممن كانوا يُعوَّل عليهم في إسقاط النظام من الداخل.
وقد انتخب مجلس خبراء القيادة السيد مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً في الثامن من آذار/مارس 2026، فأصدر بيانه الأول متعهداً بإبقاء مضيق هرمز مغلقاً ومواصلة استهداف القواعد الأميركية ومطالباً بتعويضات كاملة عن الأضرار. وأكد عراقتشي أن "خطة واشنطن للإطاحة بالنظام في غضون أيام فشلت فشلاً ذريعاً".
وبينما تمتد الحرب إلى أسبوعها الثالث، تنكشف هشاشة القدرة الأميركية على الاستدامة أمام خصم يتمتع بعمق جغرافي هائل وقدرات عسكرية ضخمة مخبّأة في مدن محصّنة تحت سلاسل الجبال الممتدة على آلاف الكيلومترات. فتكلفة أول مئة ساعة فقط من عمليات "الغضب الملحمي" الأميركية بلغت 3.7 مليارات دولار بمعدل يقارب 891 مليون دولار يومياً، ومعظمها خارج الموازنة المعتمدة. وقد بدأت مخزونات صواريخ الدفاع الجوي والذخائر الدقيقة بالنفاد سريعاً حتى سُحبت صواريخ اعتراضية من مسارح شرق آسيا وأوروبا والأراضي الأميركية ذاتها لسدّ الفجوة المتزايدة.
وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين قد حذّر من مخاطر التورط الطويل في حرب مفتوحة مع إيران، لكن ترامب أقصى معارضي الحرب من المناصب القيادية، في تصدّع مؤسساتي بالغ الخطورة يعكس فقدان التماسك في مركز صنع القرار الأميركي.
كما طالت ارتدادات الحرب دول الخليج العربي التي وجدت أن القواعد الأميركية على أراضيها لم تعد ضمانة أمنية كما كانت تفترض، بل تحوّلت إلى أهداف تجلب عليها الضربات والنار بشكل مباشر. فالبحرين وقطر والكويت والسعودية والإمارات تعرّضت جميعها لهجمات إيرانية أصابت قواعد عسكرية ومواقع مدنية يتواجد بها جنود أمريكيون وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.
وحذّر وزير الطاقة القطري صراحة من أن استمرار الحرب قد يُجبر منتجي الخليج على وقف صادراتهم وإعلان حالة "القوة القاهرة"، مؤكداً أن "ذلك سيُسقط اقتصادات العالم". وعلاوة على التأثُّر المباشر في منطقة الخليج، ارتفعت أسعار المواصلات وبعض السلع الاستهلاكية في عدد من البلدان منها مصر على سبيل المثال. كما لجأت دول مثل باكستان والفلبين وبنغلاديش إلى تقليص أيام العمل الأسبوعية لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، وأغلقت جامعات في بنغلاديش أبوابها مبكراً. هذه التداعيات تُثبت أن الحرب أخذت تتجاوز بُعدها الإقليمي بمراحل وباتت تهزّ أسس الاقتصاد العالمي بأكمله وتُهدد بركود واسع النطاق.
وفي ما يخص الموقفين الروسي والصيني، فإنهما يكشفان عن تحوّل في أشكال الدعم المقدَّم لطهران يتجاوز البيانات الدبلوماسية والمطالبة بوقف الحرب في مجلس الأمن دون أن يبلغ حدّ الانخراط العسكري الصريح. فالصين وروسيا تزوّدان إيران بصور أقمار صناعية ومعلومات استخبارية دقيقة عن مواقع القوات والسفن الأمريكية وتحركاتها.
وكانت موسكو قد بدأت بتسليم طهران مقاتلات "سوخوي-35" المزوّدة بأنظمة حرب إلكترونية متقدمة قبل اندلاع الحرب مباشرة، في حين منحتها بكين حق الوصول إلى منظومة "بيدو-3" للملاحة الفضائية كبديل مشفّر عن نظام GPSالأميركي الذي يمكن لواشنطن التلاعب بإحداثياته أو تعطيله، وزوّدتها أيضاً برادارات من طراز "YLC-8B" القادرة على كشف الطائرات الشبحية الأميركية كالـ "B-21" والـ "F-35". ووصفت تحليلات هذا الدور بأنه انتقال من "شراكة دبلوماسية" إلى "إرساء تكنولوجي" يجعل بكين وموسكو الجهاز العصبي لمنظومة الاستهداف الإيرانية.
في عمق هذا المشهد تتبلور معادلة استراتيجية جديدة ستتجاوز حدود هذه الحرب وتداعياتها المباشرة. فواشنطن التي أطلقت العدوان لاستعادة هيبتها وتثبيت إرادتها وجدت نفسها أمام خيارات أحلاها مرّ: التراجع يعني انكشاف عجز القوة العظمى أمام العالم بأسره وسقوط آخر أوراق الهيبة، والاستمرار يُغرقها في استنزاف طويل ومفتوح ستحوّله الصين وروسيا إلى فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذهما على كل الجبهات.
وقد بدأ هذا الاستنزاف فعلياً بتقلّص سيطرة واشنطن على إمدادات الطاقة العالمية وممرات التجارة البحرية وأسواق السلاح، مع أوامر صادرة عن الحرس الثوري للجنود الأميركيين بمغادرة المنطقة بأسرها وإخلاء جميع القواعد العسكرية في الإقليم.
أما الكيان الصهيوني فإنه يغوص في مأزق وجودي متعدد الجبهات: حرب لم تحقق أهدافها المعلنة على إيران، واستنزاف متواصل في قطاع غزة منذ أكثر من عامين، وجبهة لبنانية عادت إلى الاشتعال بضراوة، وتصدّعات داخلية عميقة تتعمّق يوماً بعد يوم بلا أي أفق واضح للحلّ، وفوق كل ذلك انكسار هيبة القوى الإمبريالية الراعية للمشروع الصهيوني بلا رجعة، وكشف اللثام أمام الجميع عن الدور الوظيفي للقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
إن ما يجري اليوم ليس حدثاً معزولاً قابلاً للاحتواء أو التجاوز، وإنما لحظة تكثيف تاريخية لتناقضات بنيوية متراكمة منذ عقود في صلب النظام العالمي. فالهيمنة الأميركية التي قامت بعد 1945 على مزيج متكامل من التفوّق الاقتصادي والعسكري والمؤسساتي، فقدت ركيزتها الاقتصادية الأولى وأصبحت تعتمد على القوة العسكرية وحدها، وهذا ما يُعجّل سقوطها ولا يُبطئه كما يُظهر تاريخ كل الإمبراطوريات.
وإيران التي تحاول الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ومعهما الغرب ومشيخات الخليج، تدميرها اليوم هي في الوقت ذاته العقدة المركزية في المشاريع الاستراتيجية الصينية والروسية لكسر الطوق الغربي على التحالف الأوراسي الصاعد: من طريق الحرير إلى ممرّ شمال-جنوب الرابط بين سان بطرسبرغ والمحيط الهندي، ومن بحر قزوين إلى مضيق هرمز. ولذلك، فإن مآلات هذه المعركة لن تُحدّد مصير إيران والكيان الصهيوني والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة فحسب، وإنما ستُعيد تشكيل خريطة القوة في النظام العالمي لعقود مقبلة وتُسرّع إعادة تموضع التراتبيات بين الأمم.