بقلم|| أم كلثوم السبلاني
عندما يكتب الأدباء يستعيرون من الحياة مشاهدًا أو تجاربًا تعينهم على الخروج بحبكة محكمة تترك بالغ الأثر في نفوس القرّاء. أما أن يكتب المرء من واقع تجربته الشخصية فيقترن قوله بفعله فيغدو مهندسًا لكلمته الصادقة وبانيًا لفعله الشريف، وهو أمرٌ قلّ وندر في مجتمع الكتاب العرب اللاهثين وراء تمسيح الجوخ وتلميع الأحذية.
من بين النماذج المشرفة التي جمعت بين حقيقة الكلمة وصدق الفعل أديبة لبنانية مقاوِمة قرنت قولها بفعلها، فقدّمت إلى جانب كلمتها الحرّة الداعمة لخيار مقاومة العدو، فلذة كبدها شهيدًا على مذبح الوطن فاستحقت عن جدارة لقب الأديبة المضحيّة. هنا في لبنان إن قلت ولاء والدة الشهيد، سيعرفون مباشرة أنك تتحدث عن الكاتبة والشاعرة والروائية ولاء ابراهيم حمّود.
وُلدت الأديبة ست اليمن ولاء ابراهيم حمود سنة ١٩٦٢في بلدة حجولا قضاء جبيل. نشأت وترعرعت في ضاحية بيروت الجنوبية ودرست في مدارسها حتى المرحلة الثانوية، ومن ثم مرحلة الدراسات العليا في اللغة العربية في الجامعة اللبنانية.
تزوجت من السيد الحاج كمال حمود واختارا الضاحية مكانا لسكنهما وعملهما أيضًا، حيث عملت كمعلمة للغة العربية، وشكلا معًا أنموذجًا لعائلة اتخذت من التضحية والصبر والتعاون منهجًا يشبه المقاومة التي عشقا.
بعد عدة سنوات صارت الأديبة أمًا لأربعة أولاد، اثنين من الذكور واثنين من الإناث، تهزّ مهدًا بيد وتحمل القلم بيد أخرى، تخطّ على صفحات الجرائد والمجلات كلمة حقّ في وجه سلطان جائر، فكانت بحق من أوليات الكاتبات في الأدب المقاوم في لبنان، حيث تركت بصمتها في جرائد العهد، الانتقاد، البلاد ومجلة بقية الله.
لم تكتفي ولاء حمود باستخدام صوتها لشرح الدروس في الصفوف ولمناغاة أطفالها في المنزل، بل وظفته أيضًا في خدمة الإعلام المقاوم كمذيعة ومحاورة في الإذاعة والتلفزيون، حيث قدمت وأعدت العديد من البرامج وحاورت العديد من الشخصيات الفذة والمشهورة.
نسجت ولاء حمود من حبر كلماتها مؤلفات تشبه الثورة المتوقدة في حنايا روحها، تحاكي الشباب المرابط على الثغور، فكانت كلماتها رصاصات تشارك المجاهدين مواجهاتهم مع العدو الإسرائيلي المحتل لأرض الجنوب.
صدر لها ستة أعمال في الأدب المقاوم تنوعت بين الرواية والقصة والشعر قبل تحرير جنوب لبنان سنة ٢٠٠٠ وبعده التحرير وهي بالتتالي: رياحين الانتصار( مجموعة قصصية)، القابضة على الجمر( رواية)، القابضة على أشواك الورد( رواية)، القابضة على أشواك الورد( رواية)، خالدات في كتاب الله( دراسة قرآنية)، تسابيح شهادة( خواطر وقصائد)، ستكتبين يومًا يا صغيرتي( مجموعة قصصية). كل تلك الانجازات كانت بعد عون الله لها، نتيجة لتفهم الزوج ومساعدته ودعمه لها وهو الذي لا يقل حبّه للمقاومة عن حبه لعائلته وأولاده، وهو الأب والمربي والكاد على عياله، يتشاطر مع زوجته شؤون وشجون الكتابة وإسداء النصح والرأي والمشورة في بعض الأمور الأدبية، حتى أنه هو من اختار لها لقب ولاء كي تذيل به كتاباتها، إذ أن أسهل على القارئ من اسمها الحقيقي في سجل القيد "ست الُيمن".
ما أشبه ما كتبته بما عاشته! ادّخر لها الزمان هدية غير تلك الشهادات والدروع التي كانت تحصل عليها، هدية نفسية، باهظة " الروح"، لقد صار لها من روحها شهيدًا، واحدًا من أبنائها صار بطلًا لقصصها القادمة.
لم يستغرب أحدٌ الخبر، إذا لم تكن ولاء ابراهيم حمود أمًا لشهيد، فمن أولى منها بنيل هذه المرتبة الرفيعة؟ ارتقى ولدها "حسين" شهيدًا بعمر الورد، عشرون عامًا قضاها منذ نعومة أظفاره متنقلًا معها من استديو إلى آخر، ومن تكريم إلى تكريم، يجالس العلماء والأدباء وأهل العلم والمعرفة، ويستمع إلى إنجازات الأبطال وقصصهم على لسان والدته أو عبر قلمها، ويراها متحدثة على المنابر وفي الشاشات، أو مكرمة بين يدي الشهيد الأقدس سماحة سيد شهداء المحور السيد حسن نصرالله، مفتخرًا بصنيع والدته وعظيم عطاءاتها فشبّ دونما عناء، مقاوِمًا بالفطرة والتقليد والتماهي. انساب بين الدروب المؤدية إلى الفخر دونما دعوة أو طلب من أحد، فانضم إلى كشافة الإمام المهدي(عج) عنصرًا وقائدًا، وإلى وحدات التعبئة الجهادية، وبعدها إلى صفوف المقاومة، وختم حياته بمسك الشهادة ضد العدو التكفيري في جرود لبنان زودًا ودفاعًا عن الأعراض والكرامات. فحصدت بذلك الأم المقاومة ثمار ما زرعته على مرّ السنين.
ولأن المقاومة فعل استمرار لا حالة عابرة ، ولأن حزننا على أولادنا ليس جزعًا بل منبرًا لإيصال الصورة الناصعة عن فعل الشهادة، تابعت الأم الثكلى عطاؤها ورفدت الساحة الأدبية بالمزيد من الإصدارات التي توثق حياة ولدها الشهيد والشهداء من رفاقه أو مرحلته الزمنية وما بعدها، فلم تكتب عن ولدها فقط، بل عنهم جميعًا، فكان لها الإصدارات التالية: تسابيح المطر( مرثيات لشهداء الدفاع المقدس)، سميه حسينا( مجموعة قصصية عن ولدها الشهيد)، قمر الأربعين( خواطر وقصائد لولدها الشهيد وشهداء الدفاع المقدس) ...
إضافة إلى فوزها بالعديد من الجوائز الدولية والمحلية ، ومشاركتها بغير مؤتمر دولي عن المقاومة والشهداء، وكمحكمة في لجان تقييم شعرية وقصصية، لا يزال حبر الأديبة ولاء ابراهيم حمود نديًا، حيث سيصدر لها قريبًا رواية عن أحد شهداء الدفاع المقدس.
تجاوزت هذه السيدة " الثروة" كل الألقاب التي تستحقها، وارتضت لنفسها لقب "والدة الشهيد" كوسام رفيع تعرّف به عن نفسها وتتباهى به أمام نساء عصرها من اللواتي يدعين الثقافة والأدب ولكنهنّ يعلمن أبناءهن الجبن واللهاث وراء ملذات الحياة وزخارفها...