رؤى علمية.. الذكاء الاصطناعي وسوق العمل.. إعادة تعريف المهارات لا إلغاؤها

2026/01/27

بقلم| غصون عبدالعزيز العبيدلي

يُغيّر الذكاءُ الاصطناعي طريقةَ عمل البشر أكثر مما يُغيّر عددهم في سوق العمل. فبدل الصورة الشائعة التي تختزل المُستقبل في استبدال الإنسان بالآلة، تكشف التحوّلات الجارية عن واقع أكثر تعقيدًا، حيث لا تختفي الوظائف بقدر ما تتبدّل المهارات المطلوبة لأدائها. هنا، لا يكمن التحدي في فقدان العمل، بل في القدرة على مواكبته.

يُفكك الذكاء الاصطناعي الوظائف إلى مهام، فيؤتمت بعضها ويُبقي على أخرى تتطلب الحكم البشري، والتواصل، والإبداع. تُشير دراسات سوق العمل إلى أن أقل من 10% من الوظائف قابلة للأتمتة الكاملة، في حين يمكن إعادة تصميم الغالبية العظمى منها عبر دمج أدوات ذكية تُحسّن الأداء بدل إلغائه. هذا التحوّل يُعيد تعريف معنى «الوظيفة» نفسها.

يدفع هذا الواقع نحو طلب مُتزايد على مهارات لم تكن محورية في السابق. فالتفكير التحليلي، وحل المشكلات المعقّدة، والقدرة على العمل مع الأنظمة الذكية، باتت عناصر أساسية في مُختلِف القطاعات. وتُشير بيانات مِنصات التوظيف العالمية إلى أن أكثر من 60% من المهارات المطلوبة اليوم لم تكن مدرجةً في توصيفات الوظائف قبل عَقد واحد فقط، ما يعكس سرعة التحوّل لا حجمه فحسب.

ينقلُ الذكاء الاصطناعي مركز الثقل من المهارات الروتينية إلى المهارات الإنسانيّة. فكلما تفوّقت الآلة في الحساب والتنفيذ، ازدادت قيمة الإنسان في القيادة، والتفاوض، واتخاذ القرار في بيئات غير مؤكدة. لذلك، لا يصبح السؤال: «هل ستختفي هذه الوظيفة؟»، بل: «ما المهارات الجديدة التي تجعلها أكثر قيمة؟».

يضع هذا التحوّل أنظمة التعليم والتدريب أمام اختبار حاسم. فالنماذج التقليديّة القائمة على شهادة واحدة لمسار مهني كامل لم تعد كافية. تُشير تقديرات دولية إلى أن العامل الواحد قد يحتاج إلى تحديث مهاراته كل 3 إلى 5 سنوات للحفاظ على قابليته للتوظيف. هنا، يتحوّل التعلم المُستمر من خِيار إضافي إلى شرط أساسي للمشاركة الاقتصاديّة.

يُعيد الذكاء الاصطناعي توزيع الفرص داخل سوق العمل نفسه، حيث تظهر وظائف هجينة تجمع بين المعرفة التقنية والفَهم القطاعي. لا يُطلب من الجميع أن يصبحوا مُبرمجين، لكن يُتوقع من معظم العاملين فَهم كيفية استخدام الأدوات الذكيّة في مجالاتهم، سواء في الصحة، أو الإعلام، أو التعليم، أو الإدارة.

يكشف هذا المسار أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي، بل في الجمود. فالأفراد والمؤسسات التي تتعامل مع التحوّل بوصفه تهديدًا تفقد الوقت اللازم للاستعداد، بينما يحوّل آخرون التقنية إلى فرصةٍ للارتقاء المهني وزيادة الإنتاجية. الفارق هنا تصنعه المرونة، لا التكنولوجيا.

يؤكّد مستقبل سوق العمل أن الذكاء الاصطناعي لا يُلغي الإنسان، بل يُعيد تعريف قيمته. ففي اقتصاد تُتقن فيه الآلة التنفيذَ، يصبح الإنسان أكثر أهمية حين يُحسن التفكير، والتكيّف، والتعلّم. وهكذا، لا يكون التحدي هو حماية الوظائف من الذكاء الاصطناعي، بل حماية الإنسان من التخلّف عن مهارات عصره.

 

أخترنا لك
العدل موقف كورونا في سجون الأحداث «مسيطر عليه»

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة