بقلم | مجاهد منعثر منشد
الأستاذة أم كلثوم السبلاني، كاتبة وروائية لبنانية، ماجستير في اللغة الإنكليزية وآدابها، صدر لها مؤلفان: رواية بعنوان "عذاب أشهى من العسل" تتحدث فيها عن سيرة أخيها الشهيد وفازت بجائزة الشهيد همداني للكتاب في إيران، ومجموعة قصصية بعنوان: دمٌ على ورق عن شهداء على طريق القدس وشهداء الدفاع المقدس.
أن روايتها الشيقة ((عذاب أشهى من العسل)) لم تصنفها الكاتبة على أنها رواية فنية، بل ذُكر على غلاف الكتاب (مقتطفات من سيرة والدة الشّهيد محمّد ياسر السبلاني بنزعةٍ روائيةٍ)، إذن هي سيرة، لكن تتغلب عليها النزعة الروائية.
وهنا حاولت الأستاذة الفاضلة الابتعاد عن السرد التقليدي الممل، وعدم التقيد باكتمال عناصر الرواية من ناحية البنية الفنية، إلا أنها وقعت في فخ نقد نتاج أدب المقاومة.
يا سيدتي، هيهات... كتابك نتاج روائي فني، فالعناصر موجودة: شخوص، تصاعد أحداث، الزمان والمكان، الوصف، وعنصر التشويق حاضر في السرد القصصي فالقارئ متلهف لمعرفة الحدث التالي.
أما الصراع فموجود في كل فصل من فصول الرواية سواء مع الشخصيات أو الفكر السائد في حينها، لكنه لا يمتد إلى نهاية الرواية.
وحسبك الاستهلال في الإهداء، فأقتطف من رحيق ورود الكلمات ليستنشق القارئ نسيم عذوبتها، إذ قلتِ: (إلى مقام مولاتنا، الصّدّيقة الشّهيدة، فاطمة الزّهراء (عليها السّلام)، سيّدة الفداء الأولى، أمّنا جميعًا، وأمّ الشّهداء، والجرحى والأسرى)، والرحيق الآخر الذي أمطت فيه اللثام عن آخر لفظ لفظه الشهيد قائلة: (إلى من كان اسمه آخر الحروف الّتي نطق بها لسان أخي، لحظة ارتقى شهيدًا، إليك يا أبانا)، وتكمل حروف إهدائها الإمام: (أهدي واحدةً من قصص آلاف الأمّهات، اللّواتي يمهّدن لك الظّهور).
أليست هذه الصورة وحدة موضوع تحلّق بين ثناياها عناصر التشويق كإشارة إلى الفكرة؟
ـ أنها رواية بأسلوب فني رائع تُسمّى رواية رشيقة.
اختارت الروائية أن تكون ناقلة عن الراوية ذاتها أم الشهيد التي هي والدتها، وبما أن الكاتبة ابنة السيدة المقاومة، فهي مطلعة على أدق التفاصيل منذ طفولة أمها، إذ ذكرت قبل زواج والدتها دورها في بداية المقاومة الفلسطينية ودعمها حسب ما خطت أناملها في أحد فصول هذه الرواية. ولهذا نجدها في نتاجها البالغ ما يقارب مئتين صفحة بثمانية عشر فصلاً، كتبت عن كل المحطات التي مرت بها تلك السيدة المعطاء إلى لحظة استشهاد ولدها، فلم تغفل عن واقع أو مرحلة مرت بها من حيث الفقر والحرمان والانتقال من منزل إلى آخر، والتحمل والصبر، كل ذلك كان دافعاً كبيراً لها كما أنه لا يتعارض مع إيمانها ومعرفتها العميقة بالدين والأحكام وبحبها الذي قل نظيره لأهل البيت وخصوصاً السيدة الزهراء (عليها السلام).
أَذِنَ السيدة بعد دعمها للمقاومة، فغَدَت بسلامة نيتها والدة شهيد. وحقاً، ما كان لله نَمَا واتَّصَل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.
في هذه الرواية تناغم أرواح يعزف بأوتار محبة الله وأهل البيت (عليهم السلام)، والشهيد شاهد على سلامة نية أمه، فيقول في وصيته لها:
إليكِ يا أمّي، أمّي الحنونة، وأمّا إليكِ يا أمّي الغالية، أقول: "لو جمعتُ جميع الحروف لأعبّر عن مدى شكري وامتناني وحبّي، لما وفّيتك من الجهد والكدّ والتّعب الّذي بذلته في تربيتي، التربية الصالحة، وفي تعليمي لحب فاطمة وآل فاطمة عليهم السلام.
أمّي الحنونة، أذكر سهركِ وشقاءك، فتدمع عيناي لحُنيّتكِ في تلك الأيام. أمّي، أشكر الله على إنعامه عليّ بأمٍّ مثلك. أرجو منكِ السماح والتّأسي بالسيدة الزهراء عليها السلام والسيدة زينب عليها السلام.
أمّي الحنونة، أنتِ الّتي علّمتنا أن نصبر في وجه المحتلّ، ونقاتل في سبيل الله، ونُسقِط شهداء في سبيل الله، وعلى أن نحافظ على بيضة الإسلام الحنيف. أرجو منكِ الصبر والدعاء لي، والطلب الأخير إليكِ هو عدم البكاء لأنّ دموعك غالية، غالية".
وبذلك قدمت لنا الكاتبة أفكار روايتها القيمة على هذا النحو:
1. رسم معالم وملامح المرأة المقاومة.
2. أنموذج الآم المقاومة: من هي، كيف هي، ما هي بيئتها، كيف وصلت إلى مرحلة قدمت فلذة كبدها؟!
3. تصوير يعبر ماهية المرأة اللبنانية المقاومة.
4. تخاطب الأمهات والزوجات والنساء في هذا العصر بأن يحذون حذو هذه السيدة الجلية ويتخذنها قدوة.
وفي الختام أرفع كفي بتحية إلى جمعية الرابطة الثقافية لسلسلة المرأة المقاومة في لبنان، على انتقائها النوعي لهكذا نتاج أدبي.
وأتقدم بالشكر والتقدير إلى أختي التي لم تلدها أمي، سليلة الأسرة المقاومة، الروائية الأستاذة أم كلثوم السبلاني، على ما أولتني من ثقة بإهدائها نسخة من تلك الرواية القيمة، داعين لحضرتها ووالدتها بحفظ المولى عز وجل وكساهما بضياء نوره وحباهما برعايته، ورحم الشهيد برحمته الواسعة وشملنا بشفاعته، إنه سميع مجيب وبالإجابة جدير.