واقعيّة الإسلام بعيداً عن الخرافة

2024/06/19

زينة محمد الجانودي

الخرافة هي الاعتقاد أو الفكرة القائمة على مجرّد تخيّلات دون وجود سبب عقليّ أو منطقيّ مبنيّ على العلم والمعرفة، وقد وردت كلمة الخرافة حسب لسان العرب لابن منظور: «والخرافة الحديث المستملح من الكذب»، وقد عُرِفت الخرافة منذ القدم، فمنذ أكثر من أربعة آلاف سنة، كان النّاس يتطيّرون ويتشاءمون، وقد وُجِد في الحفريّات والآثار الفرعونيّة والسّومريّة والبابليّة... الكثير من المنحوتات التي تتضمّن التمائم والكتابات التي تدفع شرّ الشيطان وشرّ الحسد.
وترتبط الخرافات أحيانا بفلكلور الشّعوب، حيث أنّ الخرافة عادة ما تمثّل إرثا تاريخيا تتناقله الأجيال، أي عقيدة التّوريث المبنيّة على وراثة الخرافة أباً عن جدّ.
الخرافة موضوع خطير وشائك، وهو سبب رئيسي من أسباب التخلّف في المجتمعات، لأنّه يسبّب الإنعزال عن الحقيقة والواقع.
من مظاهر الخرافة: ادّعاء علم الغيب، والسّحر، معرفة المستقبل بالخطّ على الرّمل، أو بالأرقام والحسابات، أو بالنّظر إلى النّجوم والتّبصير...
وهناك مظاهر أخرى للخرافة، تتجلّى في ادّعاء بعض المضلّلين الصّلاح، ويخدعون الناس باسم الدّين (الشّيخ الرّوحاني والشّيخة الرّوحانيّة)، فيتسلّق حولهم المغرّر بهم ويقدّمون لهم الأموال والهدايا...
ونلاحظ أنّ هؤلاء الذين يتاجرون باسم الدّين، الذين يطلقون على أنفسهم (الرّوحانيين) لا وجود عندهم لشيء اسمه مرض نفسي، فكلّ ما يصاب به الإنسان هو جنّ ومسّ شيطاني، ويجب أن يذهب عندهم، حتى يخرج الجنّ منه بضربه بالعصا فينطق الجنّ ويعترف، ويخرج من هذا الإنسان وهنا تكتمل إنجازات هذا الرّوحانيّ المقدّسة.
ومن مظاهر الخرافة أيضا: «أرسل هذه الرّسالة إلى أربعين شخصا، وبعدها بإذن الله ستسمع خبرا جميلا»، وأخرى «إن لم ترسل هذه الرّسالة إلى عشرة أشخاص سيغضب الله وملائكته عليك»، وتعليق حدوة الحصان باتّجاه الأعلى، والخرزة الزّرقاء في مداخل البيوت، وتضليل النّاس بأنّ الأضرحة وقبور الصّالحين تشفيهم من الأمراض، وهذا القبر إن لم تقبّله فلن توفّق، كلّ هذه المظاهر ليست مؤامرات ماسونيّة ولا مخطّطات صهيونيّة، إنّما هي خرافات يصدّقها عقل ومجتمع بسيط.
وقد ربط الفلاسفة وعلماء الاجتماع ظهور الخرافات وانتشار الشّعوذة بالضّعف والجهل، فكلّما سيطر الجهل وعمّ الضّعف في المجتمع، كلّما زادت حركة المشعوذين وراجت الخرافة.
والغريب أنّه في ظلّ التطوّر والتقدّم المذهل، وانتشار العلم في مختلف المجالات إلّا أنّ الخرافة، ما زال لها تأثيرها الطّاغي، وتنفق في سبيلها مليارات الدّولارات كلّ عام، سعيا وراء المجهول، وذلك بسبب سيطرة التّفكير السّطحيّ والتّحليل القشريّ، وغياب العقلانيّة، والابتعاد عن المعنى الحقيقي للدّين.
إنّ مجتمعاتنا تعاني بشكل كبير من انتشار الخرافة والشّعوذة وسيطرتهما على عقليّة فئة كبيرة من المجتمع، فَتُعطَّل ملكة العقل التي هي نعمة وهِبَة من الله عزّ وجلّ، وهبها للإنسان ليوظّفها في خدمة نفسه وحلّ مشاكله، وخدمة المجتمع والرقيّ بأفراده.
من أسباب اللّجوء إلى الخرافة: عندما يتوهّم الإنسان بأنّ هذه الخرافة تخفّف من خوفه وقلقه، وتعطيه إحساسا بالسّيطرة على حياته، أو تمنحه قوّة لمواجهة المجهول، وهذا يحدث نتيجة لعدّة أمور منها:
١- ضعف الإيمان والوصول إلى حالة من اليأس والقنوط من رحمة الله، فقد يدفعه يأسه لتجربة جميع الطّرق التي قد تنقذه، فيلجأ إلى الذين يوهمونه بامتلاكهم الكثير من الحلول، وأنّ لديهم القدرة على حلّ مشاكله ومعاناته.
٢- الوصول إلى قناعة أنّ العلاج ليس شافيا بسبب عدم التشخيص الدّقيق لما أصابه من مرض وما حلّ به من داء، ويبرّر اللّجوء إلى هذه الطّريق، بأنّ أنواعا عديدة من العلاج لم تؤدّ إلى شفائه، أي مع غياب الأمل في الشفاء أو عدم قدرة الطّب على تخفيف الألم.
٣- غير المصاب بأمراض عضويّة، وإنّما هو مصاب بأمراض نفسيّة، وحيث أنّ التشخيص الأوّلي لمرضه غير دقيق، ومراجعته لعيادات الأطبّاء تجعله يشعر أن لا فائدة من مراجعة العيادات والمستشفيات، خاصّة وأنّه يتوهّم أنّه مصاب عضويّا، وهو خلاف ذلك.
تعتبر الخرافة مهما كان نوعها، ثقافيّة أو اجتماعيّة أو دينيّة، سيّئة ولها توابع خطيرة، لكنّها حين تتواجد في الفكر الدّيني، والتّعاليم الدينيّة، تبعد الإنسان عن استخدام عقله، وتُحْدِث فجوة بينه وبين حقيقة دينه، وتكون أعظم أنواع الخرافة خطرا وأشدّها ضررا، لأنّ التّعاليم الدينيّة والفكر الدّيني بشكل عام يشغلان الحيّز الأكبر والمهمّ في حياة الإنسان.
والسّؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا ما يحتاجه إسلام اليوم بأن نحوّله إلى دين خامل؟! أيحتاج إسلامنا عقلا باهتا يصدّق كلّ ما يسمع وينقل؟!
إنّ الإسلام دين واقعي، فهو يتعامل مع الإنسان كلّه، جسمه وروحه وعقله ووجدانه، ويطالبه أن يغذّيها جميعا، بما يشبع حاجتها، في حدود الاعتدال.
فلا فصام بين الدّين والحياة، لأنّ الإسلام يراعي قدرات الناس وتفاوت ملكاتهم، وطبيعة مجتمعاتهم، فهو يدعو إلى المثاليّة ويحثّ عليها، لكنّه يعترف بالواقعيّة ويراعيها في كلّ شيء وفي أوامره ونواهيه، والإسلام دين العقل فقد رفع الله به شأن الإنسان، وميّزه عن باقي الكائنات الأخرى، لذا فالمسلم لا بدّ من أن يحكم بما وهبه الله من نعمة العقل المنافية للخرافات والشّعوذة.
إنّ موقف الإسلام حاسم تجاه الخرافة ومروّجيها بكافّة أشكالها، فالإسلام بنى اعتقاده على أسس عقلانيّة تجعل الإيمان هو الرّكيزة الأولى، لمحاربة الخرافة وما يتفرّع عنها من مساوئ وانحرافات، والقرآن الكريم أقرّ بأنّ الغيب للخالق سبحانه وتعالى ولا يتشارك معه أحد في ذلك، {قُلْ لا يَعْلَمُ منَ في السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} (سورة النمل، الآية: ٦٥)، وبالتّالي أغلق الباب أمام كلّ من يدّعي علم الغيب والمستقبل، كذلك أقرّ أنّ الخالق سبحانه هو بيده الأمر كلّه، {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلَّا هُوَ وإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة الأنعام، الآية: ١٧)، فأغلق الباب في وجه كُلّ من يدّعي بأنّه قادر على نفع أو إلحاق الضّرر بالناس.
إنّ القرآن الكريم لا يحوي نظريّات مجرّدة وأفكارا محضة حتى تُدرس وتُفهم فقط، وليس بكتاب يبحث في الغموض لتحلّ جميع أسراره ومكنوناته، إنّ هذا الكتاب هو كتاب دعوة وحركة، ليعرف الناس أحكام دينهم، إنّه الدّستور الإسلامي الرّفيع، الذي يستمدّ منه المسلمون تعاليمهم الشرعيّة وقوانينهم العامّة في كافّة مجالات حياتهم وأمور معاشهم، بما يشتمل عليه من تعاليم بناء المجتمع وتنظيمه بشكل سليم على جميع الأصعدة.
القرآن ثقافة حياة، مسار يشكّل شخصيّة الإنسان، لتنمو بشكل طبيعي بكلّ جوانبها العقائديّة والعباديّة والذّهنيّة الثقافيّة والاجتماعيّة النفسيّة والعاطفيّة والسّلوكيّة، فتصنع الإنسان الحضاري القويّ، وهذا يعني بأنّ آيات القرآن للتّلاوة والتدبّر والفهم وإنتاج المفاهيم والعمل بها، {كِتابٌ أَنْزَلناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ ليَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذكَّرَ أُوْلُو الأَلْبابِ} (سورة ص، الآية: ٢٩)،لا لتكتب على الأجساد وتوضع حجاب يُعَلّق بالرّقاب وعلى أبواب البيوت.
يجب علينا أن نتحلّى بقوّة الإيمان الحقيقيّة، ونكون على يقين تامّ بأنّ الله تعالى هو الحامي والشّافي، ونلجأ إليه وحده دون غيره، ونرضى بما قسمه تعالى لنا، {ولا تَدْعُ مِنْ دونِ اللّهِ مَا لا ينْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فإنْ فَعلَْتَ فإنّكَ إذًا مِنَ الظالِمِينَ} (سورة يونس، الآية: ١٠٦)، فهذا يمنحنا نوعا من التّعاطي الإيجابي مع أزمة المرض، ومع كلّ أزمة تمرّ علينا في حياتنا، وتنمّي لدينا القدرة على البحث، فيما حولنا من أسباب حقيقيّة وواقعيّة، وإيجاد الحلول المناسبة بعقل ومنطق سليم، بعيدا كلّ البعد عن السّذاجة والبساطة المتمثّلة بالخرافة.
وأخيرا نحن مطالبون بعقل إسلاميّ واعٍ، يقرأ قبل أن يصدّق. فلا يمكن أن يحميني حجاب أو خرزة زرقاء، ولا أن يشفيني روحانيّ ببركته، ولكن ما يجب أن نؤمن به حقا هو ما نادى به الإسلام، بأن نستخدم العقل لليقين، وتكذيب الخرافة، لنتحوّل إلى مجتمع الجدّ والعلم والعمل والإنتاج والتّعايش الحضاريّ بين كافّة مكوّناته المختلفة، فنتحرّر من حياة المجتمعات الكرتونيّة الهشّة التي تعيش على هامش الحياة تترقّب وتخاف من نهايتها المحتومة، وتصبح مجتمعاتنا حقيقيّة قويّة وراسخة وصلبة، بقوّتها البشريّة الفاعلة وقوّة إنتاجها.
أخترنا لك
(نص نثري ) كافية غائب

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة