حفيد ماركيز يتسلل بهدوء إلى عالم الأدب

2020/02/23

ماتيو غارسيا إليزوندو حفيدٌ لاثنين من أعظم رموز الأدب الأمريكي اللاتيني في القرن العشرين، ألا وهما الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز على جائزة نوبل للآداب، والكاتب والشاعر المكسيكي سلفادور إليزوندو ألكالدي. ولد ماتيو في المكسيك في سبتمبر عام 1987. وعلى غرار عمه المخرج السينمائي رودريغو غارسيا بارخا، صعد غارسيا إليزوندو سلم المجد بهدوء ودون أن يلجأ إلى شهرة عائلته.

غونزالو غارسيا بارخا -والد غارسيا إليزوندو- هو أصغر أبناء غارسيا ماركيز، ويعمل مصمم جرافيك، أمَّا والدته فهي المصورة الفوتوغرافية بيا إليزوندو. ويروي إليزوندو في روايته الأولى، المعنونة (Una cita con la Lady) (موعد مع امرأة)، حكاية رحلة مدمن هيروين مُغيَّب الوعي في غيابات الليل. ومن المنتظر أن تصدر الرواية باللغة الإسبانية في نوفمبر القادم عن دار آناغراما. وستصدر كذلك باللغة الإيطالية عن دار فلترينيلي.

ويقول الناشرون إن أحداث الرواية ذات الـ 160 صفحة تدور حول هروب شاب إلى المدينة للاختفاء في غرفة قرية زابوتال النائية الواقعة على أطراف الغابة المطيرة، حيث يكتشف مخزوناً كبيراً من الأفيون والهيروين ويتلمس مفكرته الصغيرة التي يدون فيها آخر لحظات حياته. وسرعان ما تقوده أولى هبَّات دخان الأفيون الكثيف إلى عالم الأحلام، مانحة الأحداث بُعداً سحرياً.

وقد لاحظ قراء مخطوط الرواية أن تأثير الروائي المكسيكي خوان رولفو أكبر من تأثير غارسيا ماركيز رغم افتتانهما وتأثُّرهما الشديد بالحد الفاصل ما بين الحياة والموت. ويقول الناشرون إن بطل هذه الرواية ينتمي بشكل أكبر إلى عالم الأحياء، إذ نجده يهيم بين الأحلام والنعاس، وبين الحياة والموت لا في غرفته وحسب، بل في جميع أرجاء البلد، وهو مهووس بهواجسه وذكرياته التي تتضمن ذكرى محبوبته الوحيدة فاليري.

يخلق البطل عالمه الخاص في كوخ حقير تُمارَس فيه الرذيلة ويفد إليه أفواج السكارى، والمشاغبين، والعاهرات في بلدة يشبه قاطنوها الأرواح الهائمة.. لكن الذاكرة تتردى، ومخزون المخدرات يقل، والمقاومة تضعف، والموت يأخذ مجراه.

حين قرر غارسيا إليزوندو تكريس نفسه لكتابة الروايات، أخبر أصدقاء عائلة غارسيا ماركيز أن من الصعب عليه الالتزام بأسلوب جده، فلكل كاتب أسلوبه الخاص. لقد بحث إليزوندو عن أسلوبه الخاص بالفعل ووجد نفسه (مولعاً بكتابة سيناريوهات الأفلام). ففي عام 2015، وقع الاختيار عليه ككاتب سيناريو في مهرجان غوادالاخارا السنيمائي الدولي في المكسيك، بدعم من برنامج المواهب في برلين (Berlinale Talents Program)، ومعهد غوته في المكسيك، والاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين. لقد شارك إليزوندو في كتابة سيناريو فيلم (Desierto) (الصحراء) عام 2017، والذي يدور حول الهجرة، وهو من إنتاج جوناس وألفونسو كوارون وبطولة غايل غارسيا برنال، وكتب كذلك سيناريو فيلم (La Mula) (مهرب المخدرات)، الذي عُرض في مهرجان هافانا السينمائي عام 2016.

وعمل إليزوندو أيضاً كصحفي رحَّال ومؤلف كتب رسوم هزلية، لكنه كان أكثر ولعاً بالعمل في فن جرافيك القرن الحادي والعشرين بقدر ولعه بعالم الواقعية السحرية. وعلى هذا يعلق قائلاً: (أعتقد أن ما دفعني لتأليف كتب الرسوم الهزلية في البداية هو سهولة تحويلها إلى أفلام: إذ يمكن إنتاج هذه الأفلام دون إنفاق مئات الآلاف أو ملايين الدولارات).

وفي عام 2016، صرح لمجلة أدبية على الإنترنت تُسمى (إنتروبي) Entropyأنه يستطيع كتابة أي شيء، بدءاً من مقالات الترحال ووصولاً إلى سيناريوهات الأفلام، والقصص القصيرة، والسيناريوهات الكوميدية، أو حتى الروايات، ساعياً في ذلك إلى تحويل القصص المقروءة إلى مادة مرئية.

وتتسم قصصه بجاذبيتها لعقل القارئ أو المشاهد. فعلى سبيل المثال، شارك إليزوندو في كتابة مسلسل من نوعية (الإثارة التقنية) عام 2018، والذي يدور حول (تشويه الحقيقة) في العالم الافتراضي. إنه مولع بالروايات، وبخاصة (روايات الرعب والخيال العلمي). يقول إليزوندو: (أحب الموضوعات ذات الثقل النفسي والخاصة بالمخدرات). فضلاً عن ذلك، تشير محاولاته في كتابة الأبحاث إلى اهتمامه بالمواد والممارسات المؤثرة على العقل في قارة أمريكا اللاتينية.

يقول إليزوندو: (في عام 2009، قابلت صديقاً عزيزاً قضى نصف عمره في مستشفى أمراض عقلية، أصر أنه (تحول إلى زومبي -ميت أعيد إلى الحياة-) أثناء رحلته إلى هايتي. هذه التجربة شائعة جداً في هايتي لدرجة أن الناس لا يشكون في حقيقتها. ونظراً لعدم وجود شواهد ثقافية تؤيد ما حدث للرجل، وصفه الناس بالجنون وأودعوه مستشفى الأمراض العقلية. لكنني أدركت بالتدريج أن خلق الموتى الأحياء قد يظل ابتكاراً أدبياً جذاباً ريثما نفهم طريقة تحقيقه).

يتجنب إليزوندو الأحاديث الصحفية بشكل عام، ولم يكن يرغب في التحدث إلينا عن مذكرات (غابو) واكتفى بأن يقول إنه (مولع بالواقعية السحرية) ويشعر (بألفة خاصة مع الثقافة الأمريكية اللاتينية التقليدية التي تعدُّ بحد ذاتها مزيجاً انتقائياً من الثقافات).

ماذا عن تدريبه؟

يقول إليزوندو: (لقد عشت في المكسيك وأوروبا، وقمت ببعض الأسفار، وقرأت أدباً من جميع أنحاء العالم، ومن ثم فإنني حين أتناول قضايا الهوية والموضوعات المكسيكية أعتقد أنني أروي قصصاً عالمية جامعة).

كان غارسيا إليزوندو ملازماً لغارسيا ماركيز في أيامه الأخيرة، وكان يمسك بيده في بعض المناسبات الأخيرة التي ظهر فيها في حديقته في مكسيكو سيتي. ويتذكر إليزوندو نصائح جده له بأن يقدِّر الأعمال الكلاسيكية سواء أكانت أدبية أم سينمائية. لقد كان ماتيو غارسيا إليزوندو يقرأ الفصل السادس من مذكرات غابو المعنونة (Living to Tell the Tale) (عاش ليروي الحكاية) حين أُودع رمادُ معلمه مثواه الأخير في دير جامعة قرطاجينا في 12 مايو 2016، وهو يكتب الآن تكريماً لذكراه.

أخترنا لك
ذكرى شهادة فرسان سوح الوغى (قادة النصر)

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة