وقبل أن أنام أنا.. وتصحو أنت، سأغتال البعوضة التي خلّفها المطر، كزامور خطر يُعلن عن غارة.
أنزلق لملجئي بين الفرشة واللحاف، وأغطي أذنَيَّ بالوسادةِ هربًا من الطنين، لأعاني نقصًا في أوكسجين الأحلام، فأنهض من السرير هاربة من المخدع.. تُرى لماذا أسموه مخدعًا؟
هل لك أنْ تَسهَر عليَّ، لا معي، لأنام قريرة العين، دون أنْ تطالبني بالمؤن، لا مجال للقهوة في سواد الليل، دعني أحلم بها حتى الفجر، بشيء من السّكر لي، وبنّ بلا سكّر لك.
صباح الحمد والتسبيح.. لا حارس في المكان، أتوضأ، وأنا أتعوّذ من أعداءِ السكينة، وباقات النرجس.. وجذوع النخل الخاوية.
بيْنَ خيبة وضحاها.. اعتدت أن أقيمَ صلاة النجاة.. وألوذَ إلى بُعدٍ آخر.. وأمشي باتجاه عقارب الزمن.
سأنتهي من جولتي حالما تهتز ساعتي الإلكترونية، فأنا أسيرة الحسابات البيولوجية، نبضي اليوم يُشرفُ على الاعتدال، أمّا الضغط فسيرفعه بائع القهوة، إنّه كمذيعٍ يستعرض ثقافته بالأسئلة والأجوبة معًا، وأنا لا أتقن تفاصيل الرفاهية، أريد قهوة سادة، بسواد ليلة أمس.
أقف مُستعدة للاستجواب أمام بائع آسيوي الملامح، المفارقة أن الباعة متشابهون أكثر من أنواع القهوة. هل أنا في اختبار؟ كدت أُخطئ وأقول له قهوة عربيّة، لقد ولّى زمانها، فالمقاهي السريعة خالية منها. وبُن البرازيل لا يتساوى مع بُن اليمن، كذلك لاعبوهم. أيّ تمائم قرأتْها أمهاتُهم، وأيّ قهوةٍ بتنا نشرب من مصانعهم!
تعددت الاختيارات والبُن واحد، هكذا اعتقدت، فأخطأت التقدير، لدى البائع عشرون نوعًا من القهوة، وعشرة أنواعٍ من الحليب، وستة أنواعٍ من السُكّر، ونكهات مُعشّقة بالبندقٍ والفانيليا والدارْسين، بينما لا مكان للهيل والزعفران في دِلالِ الدَّلال التكنولوجي، ضغطة زرٍ تُغنيك عن ربّة أُسرةٍ كانت تغليها على دفء اللقاء، إنها تكنولوجيا الخيارات، متاهة الأسرار في تفريق شمل العائلة، كلّما زادت الخيارات، صعُبَ الاختيار، وقَلّ الرِضا.
يكمن جمال البُنِّ في بساطتهِ، وفي عيون رغوته الطافية على سطح الفنجان، تُبشّرك بالفرح ثم تنطفئ خجلًا واحدة تلوَ الأخرى، أما رائحة القهوة فهي أشبه بزوبعة تعصف بالأذهان.
أي أفكارٍ ستنبع من بُنٍّ مضغوطٍ في كبسولات معدنيّة ذهبية وفضية وألوان برّاقة أخرى، احتباس الصحوة في أحذية اللوتس، أعاق التقدّم، وحَجَّمَنا حد التشابه، كأسراب جرادٍ مهاجرة، تأكل خَضَارَ بلادها، وتتساقط سمادًا في بلاد غيرها.. علّها تُنبتُ حضارة أنقى وقلوبًا أتقى.
كل عام والعروبة بخير.