علي عليه السلام جشوبة عيش ورقة قلب

2020/05/14

بقلم: حسن كاظم الفتال


مهما توصل الإنسان وبلغ من المراحل فهو بحاجة للواعظ والناصح أو على أقل تقدير للمذكر فإن آفة النسيان لا يمكن لأحد أن يفلت منها أو يتقي شرها . وحين يرغب الفرد بالموعظة أو يستعذبها ويتوق للنصح والإرشاد وتشرئب عنقه للبحث في أعلى ذراها على ناصح مرشد نافع في نصحه وفي وعظه ليكتسب منه إرشادا يدله على طريق قويم مستقيم ومهما توغل في أعماق البحث في كهوف وسهول وجبال المعرفة لم يجد واعظا يعظُ فيصيبُ بوعظه إلا أميرَ المؤمنين عليَ بنَ أبي طالب صلوات الله عليه لأنه الواعظ المتعظ والأصدق في هذا الكون بوعظه ونصحه إذ لم يناقض يوما قولُه عملَه فضلا عن أنه عنده علم الكتاب وهو الإمام المبين وقال عز من قائل وكل شيء أحصيناه في إمام مبين وهو الأبلغ والأفصح وهو النبراس الذي يخترق وهجه القلوب والأفهام والعقول ويزقها النورَ فتتفتحُ وتتسعُ فيها مساحاتُ الإستيعاب حتى تستحصل من العلم والمعرفة والفهم حصة لا يحظى بها الشاك في صدق القول . 


أمير المؤمنين عليه السلام بحر علم لا حدود له ونبع لا يَنضُب وهو عيبة علم الله لا يسبقه في علمه سابق ولا يلحقه لاحق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو القائل علمني رسولُ الله صلى لله عليه وآله ألفَ باب يفتح لي من كل بابٍ ألفُ باب . مثلما لا يخفى على أحد معرفة وجود ظواهر كونية لا تتكرر فإن شخصية أمير المؤمنين عليه السلام يمكن أن يعد ظاهرة كونية لا تتكرر أبدا . 


وحين نزعم بأننا نتبع منهجه المقدس ونوالي عظمته وننتسب إلى متابعيه ومشايعيه فعلينا أن ننتهل من نبعه الصافي النقي بما يطفئ لهيب جمرة الظامئ اللهفان ونكتسب من وصاياه أدبا وخلقا وتهذيبا وتفوقا نغتنم به سعادة دنيوية وأخروية ولا يوجد من لا يذهل وربما يصعق حين يستمع أو يقرأ مقاله وهو يريق من سلسال صدره الشريف دررا ولآلئَ لا يفقه جوهرَها إلا من هو ذو حظ عظيم . وكلما بلغ الإنسانُ من المراتب أعلاها ومن المراحل اسماها ازداد توقه واحتياجه للإرتشاف من نمير عمله ويزداد ذهولا حين يتفحص عمق النصوص التي كتبها أمير المؤمنين عليه السلام وجوهرها.


يقف ليهيل من رشحات ألطافه وفيوضات كرمه وجلالة علمه وبيان عطفة وشفقته على البشر حين يوصي ولدَه الإمام الحسن عليه السلام . بوصية يعجز المفسرون في أن يختزلوها في إطار معين لأنها لا تقتصر على فن أو علم أو بلاغة أو فصاحة بل هي شمولية في كل مناحيها فهو المعلم الأول للإنسانية ومعنيٌ بإصلاح شؤون الناس بعبقريته التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة في معالجة شؤون الحياة بكل جوانبها ومكافحة الأوبئة التي طالما أصابت المجتمعات واستفحلت ونخرت في جسد المجتمع حتى تعسر القضاء عليها بسبب مرور الحكام الذين أعمت بصيرتهم القصور الفارهة وجلابيب الخز والحرير ومن تشاركهم ملذاتهم الغانيات اللاتي يختارونهن لهم وسطاءُ هتكوا كلَّ حرمة من أجل أن يعيشوا على فتات موائدهم ومن أجل أن يلتقطوا ما يعتصرونه ليلعقوا منه ما تبقى من لعاب قذر. 


أن أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه لم يكن خليفة أو حاكما أو رئيسا كما يحلو للبعض أن يكونوا بل هو قائد وزعيم وأب روحي رؤوف رحيم ينسل بضميره بين هموم الناس ويذوب بحنينه بعيش الفقراء فلم يحصل لا قبله ولا بعده أن يتولى خليفة الولاية على الناس فيكون أقل بأضعاف الدرجات من أقلهم في جشوبة عيشه وفي كفافه ويساوي فردَ نعلِه البالي بخلافتهم التي تلهف بعضهم لأن يكتنز منها الذهب والفضة بغير حق . فقد كان حتى اضعف الفقراء يأكل خبزا بغموس معين حتى ولو كان الماء إنما هو الذي يختم الجراب خشية أن يبلل الحسنُ أو الحسينُ أو زينبُ عليهم السلام خبزه اليابس المختوم بزيت أو خل أو ماء وحين يشاركه أحدهم بكسرة خبز فلا يتسنى له كسرها إلا بركبتيه . 


لقد بكى أمير المؤمنين علي عليه السلام على الفقراء ومعهم فإنه لم ولن ينسى إذ أن الإنسان يسهل عليه أن ينسى من يشاركه الضحك لكنه ليس من السهل بل من النادر أن ينسى من يشاركه البكاء حيث أن الضراء تعتصر الفرد فتضعه على محك اختبار الآخرين والبكاء مر فلا يقتسمه إلا من يتحمل المرارة ، إما أن الضحك فيمكن أن يشاركه حتى المارة من عابري السبيل وهم يستمعون لنادرة أو فكهة منه أو أية طرفة .


لم ينشغل أمير المؤمنين عليه السلام بقضاء حاجات الناس ومتابعة شؤونهم إنشغالا وظيفيا هامشيا أو سطحيا رتيبا ليعلن بأنه خليفة أو آمر أو حاكم . بل أكد صدقَه فعلُه وبَيَّنَ العملُ حقيقتَه . توغل إلى ملكوت الفقراء الذين يشكلون النسبة الكبرى في المجتمعات وهذا ما جعل لقب خليفة الله في أرضه يحرم على أي مخلوق غيره .


لذا قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه، والى آدم في علمه، والى إبراهيم في حلمه، والى موسى في فطنته، والى عيسى في زهده، فلينظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام
وقال صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) فكان اصحاب النبي صلى الله عليه وآله، إذا أقبل علي عليه السلام، قالوا: جاء خير البرية
السلام عليك يا أمير المؤمنين ويا سيد الوصيين وإمام المتقين وسيد الموحدين ورحمة الله وبركاته.

أخترنا لك
فرقةُ العبّاس في محافظة كربلاء المقدّسة تستهلّ مشوارها ضمن حملة مرجعيّة التكافل لإغاثة العوائل المتعفّفة والمتضرّرة

اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان