محاورة برئية

2021/02/25

باغتني أحد الاطفال قبل ايام بسؤال مرير:ـ هل تضرب ابنك؟ 

وقفت مع نفسي لأبحث عن دوافع هذا السؤال... 

قلت له: وانت حين تفعل ما يسيء ماذا تتوقع من أبيك؟ 

اجاب الطفل:ـ سيغضب ويصرخ ويضربني...

قلت:ـ طيّب... وحين تفعل شيئا حسنا؟ 

أجاب الطفل فورا:ـ لا شيء... 

:ـ كيف ألا يفرح له ابوك؟ ألا يرتاح؟ 

ألا يشكرك ويقول لك: احسنت يا ولدي الجميل... عملك رائع... (عفية) عليك؟

فسألني:ـ هل تشكر ابنك؟ 

قلت:ـ نعم اشكره، وأحييه، واقبّله، واشتري له هدية حين يعمل حسنا، وأذكـّره دائما بهذا العمل الرائع، واحاول ان افتخر به امام امه واخوته والجيران والأصدقاء والأقارب كي يتشجّع على عمل الحسن... 

كرر سؤاله بلهجة استغراب:ـ هل تشكره فعلا؟ 

رحت انظر الى هذا الطفل المسكين، وأحسست بما يعاني من آثار نفسية اثر استغرابه الشديد من حالة الرضا على ولدي!! فلماذا نرى سيئات ابنائنا، ولا نرى حسناتهم؟ لماذا نجعلهم يشعرون بهذا الغبن الذي من المؤكد أنه سيصبح حاجزا نفسيا يسيء اليهم، ويبقى معهم حتى حين يكبرون؟ ومن المؤكد أني لو اردت الإلحاح على اسئلة هذا الطفل، لتوصلت الى جميع توقعاتي؛ مثل الاحساس بالفشل، وفقدان الثقة بالنفس، والتي ظهرت من خلال تكرار السؤال، والخوف والاضطراب النفسي، والشعور بالنقص، وانعدام الأمان، والخوف من الناس... ولا شك ان مثل هذه الحالات ستؤدي الى الانكسار، وعدم القدرة على التصرف السليم، ويتعرّض مثلما اعتقد لحالات انفعالية، ويعاني من حدة الطباع، وتقلـّب المزاج، والنظرة السوداوية... نحن جميعا نعرف اننا نحب اولادنا، تلك مسألة لا تقبل النقاش، فليس هناك اب يكره ابنه، ولكن علينا ان نشعرهم بهذه المحبة، وهذا الحنو الذي من خلاله سيتقبل الطفل النصيحة والتوعية او النقد السليم كي لا يمتلك نزعة التمرّد منذ نعومة اظفاره. فنحن نحتاج الى الشدة، اما هم فيحتاجون الى الرفق... 

ونحن نحتاج الى القسوة اما هم فيحتاجون الى الرحمة... 

فسألته هل يروي لك ابوك قصصا؟ أجاب دون ان يتروّى لحظة بالنفي:ـ لا... لا... 

قلت مع نفسي... وأكيد هو لا يحاوره... فلا وقت لديه للتلذذ بنقاش ولده، ولا ابتسامة في شفتيه كي يوزعها لأولاده!! وفجأة باغتني الطفل وكأنه يستيقظ من غيبوبة... نظر إليّ بشيء من الوجوم الدافىء... وقال لي بفم مليء بالحسرة:ـ ليتك كنت أبي !!!!!

أخترنا لك
القريب

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة