لقاء مع الدكتور مهند طارق نجم الجبوري استاذ في جامعة كربلاء كلية التربية، بأي مفهوم يتم التعامل مع التجريب؟

2021/05/17

 للدخول الى عوالم لقاء يستوعب المعنى الأشمل لمضمون التجريب، مؤثثاته ومدركاته وانتماءاته وتكويناته، المعرفية الواعية، لابد له من تعريف يقرّب المسافات.
صدى الروضتين: التجريب حركة ثقافية شعرية تؤمن بأن الكلمة قادرة على تغيير وجه العالم، وتحاول ان تساهم في صناعة ثقافة اكثر حسا وذائقة وصلاحية، لمجتمع الحضارة الجديد، قلنا لضيفنا الدكتور مهند طارق نجم الجبوري استاذ في جامعة كربلاء كلية التربية، بأي مفهوم يتم التعامل مع التجريب؟
دكتور مهند: لحالات التغيير تحولات خطيرة في حياة المجتمع الذي أصبح متى سيغادر أي مسؤول في الدولة منصبه، فلا بد ان تقر معي ان هذه المعرفة لم تكن متاحة من قبل، ولم يكن في مقدور المثقف العراقي شراء كتاب، اليوم اصبح يمتلك جهاز حاسوب، ويشترك في شبكة الانترنت، وهذه مؤشرات تدل على تحول كبير سيشمل المؤسسة الثقافية برمتها، وبما ان الشعر احد ممارسات هذه المؤسسة، صار بحاجة الى نقلة نوعية تبدأ من المفهوم الأولي لتعريف الشعر. لقد انتهى التعريف اللفظوي الموزون والمقفى، وضاعت هوية البديل الخارج على نظام التفعيلة الخليلي، بكونه عجز عن تقديم رؤيا ذات مراجع ثقافية واعية، تستوعب هذا التغيير، أصبحنا بحاجة الى ما يكتب برؤى وانتماءات ثقافية جديدة، وهو المفهوم الذي نسعى اليه في تجريب.
صدى الروضتين: هل مكونات هذا المفهوم تخصصية أم تعميمية؟
اعتبره هاجسا انسانيا يواكب التطور والتقدم العلمي الاستثنائي، التجربة المادية العملية اصبحت اساسا لكل تطور علمي وتقدمي. فلماذا لايمكن ان تنعكس هذه التجربة العملية على صعيد العمل الثقافي، بالنسبة للمنهج النقدي الحديث اشتغل مجموعة من النقاد في محاولة لتحويل المنهج النقدي لنوع من انواع العلوم هناك تفاعلات من نوع معين هناك قراءات ونتائح بطريقة مغايرة، لابأس من الاستفادة من التجريب العلمي مثلما فعلت بعض المناهج النقدية، فكل ما أتى بعد نظرية الانعاكس هو في الحقيقة عبارة عن استجابة لعلمية الادب ومحاولة في كسب الادب الجديد علمية.
صدى الروضتين ماعلاقة التجريب بروحية التراث، هل سيلغيها أم يقوم بمعالجتها؟
يمكن هذا الموضوع له علاقة بطريقة نظر تجريب الى اللغة الشعرية التي نتوخى ان تكتب بها القصائد هذه الأيام، ومن طرف آخر يتعلق هذا الموضوع بماهية علاقة تجريب بالشكل والشكلية، وهناك فرق جوهري ومهم بين الشكل والشكلية، نحن لسنا ضد الشكل ذلك ان الحضارة بحد ذاتها عبارة عن شكل ولايمكن ان نقف ضد الحضارة، ولكننا ضد الشكلية ذلك انها لا تبتكر شكلا، بل تسير على نمط سائد سابقا، تسير على شكل اثبت نجاحه وكفاءته وتحاول ان تكتبه، اما ما نطلبه ونعنيه نحن شيء مغاير للشكلية نريد ان نصنع اشكالنا بأيدينا، نريد ان نبحث ونبتكر اشكالا شعرية جديدة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نحن ضد المضمونية، بمعنى ان القصيدة يجب ان لا تتضمن، اي ان لاتحتوي افكارا معينة. القصيدة ليست غلافا ولا إناء، القصيدة فضاء، ذلك انها جادة في عملية البحث عن نفسها ونفس كاتبها، وعن الموجودات بين الأشياء، ورحلة البحث هذه لايمكن إلا ان نقارنها في مجموعة من النتاج العالمي، والمتأمل للنتاج العالمي الأدبي يعلم جيدا ان هناك ثمة حركة، او نظام من العلاقات الباطنية بين النصوص العالمية، والباطنية لا أعني بها الحركة التاريخية المعروفة في تراثنا العربي الفكري الإسلامي، بقدر ما اعني بها هي موقف من العالم وهي محاولة لتأسيس موقف من الموجودات، والباطنية اعتقدت سابقا ـ واعتقد انها كانت محقة ـ ان العالم صورة ومعنى، وهي في هذه الحالة تحاول ان تجاري النظرية القديمة والتي عبّرت عن العالم بأنه عدد، نحن لا نريد شعرا صوريا، ولا نريد شعر المعنى فقط، نريد المعنى الذي يشكل الصورة، نريد ان نقرأ صور الموجودات قراءة جديدة غير القراءة السائدة.
صدى الروضتين: فأين الهم العام من اشتغال تجريب؟
اعتقد ان في واحدة من مهام تجريب محاولتها في دعوة الى كتابة شعر شعبي، كما ندعو إلى شعبية الشعر، ولكن بمعنى مختلف, إذا فهمنا الشعب بمعناه الحقيقي فالشعب ينبوع الابداع، وهو ينبوع الحركة لأنه صانع التاريخ، وهو ينبوع الرؤيا لأنه المستقبل، المفهوم السائد عن الشعب انما هو مفهوم انتقاصي يقزم الشعب في شريحة معينة، ويرى انه قاصر وجاهل ومحدود، واصحاب هذا المفوهم ينصبون انفسهم عليه معلمين ومنقذين، ان الشعر حين يكون محكوما بنظام، حين يستخدم للتسويغ والتمجيد والتمويه حين يعيد انتاج الواقع كما هو معروف او متفق عليه او يؤسسه نظام فإن هذا الشعر ليس شعبيا وان فهمه الشعب، الشعب هو ما لايمكن تدجينه، هو من الوجود التاريخي والحالة البركانية او الطوفانية هو الهذيان الخلاق حيث اللعب نفسه عمل وحيث العمل، الشعر، الشعب جموح، والشعر الشعبي جموح هو ايضا.
صدى الروضتين: اذن هناك تشكيلة وهذه التشكيلة هي التي قامت ببناء هوية تجريب، ويعني انكم اخذتم جانب الكونية ومن جانب حدود الشعب وهي حدود عامة، وعلى هذا الاساس لنا الحق بأن نسأل ما علاقة تجريب بنا؟
تبدأ هذه الإجابة من الآتي، وهو كيف تنظر تجريب الى مستوى التحدي الذي يمثله الغرب والانتماء الى الايدلوجية الغربية في ممارساتها الثقافية، وانا اعتقد في معنى من المعاني انه الالتجاء الى ما تعنيه المؤسسة الغربية كآيدلوجيا متوخاة من قبل المثقف هو اكثر خطورة من الانتماء الى الماضي، والشعر الذي تتوخاه تجريب هو شعر يستمد وجوده من المستقبل لا من الماضي لأن الماضي يتعلق بأناس قدرت ظروفهم ومشاكل عصرهم ان يكون شعرهم بهذه الهيئة، والعربي في يوم من الايام كان بحاجة إلى أن يكون للشعر وظيفة، ولذلك نشأ شعر الهجاء لأنه يريد ان ينتقم من بعض الخصائص الخلقية السيئة، فالعربي يعيش صحراء قاحلة وصعب جدا ان يكون تائها في هذه الصحراء ويعثر على اشخاص غير كرماء، لأن كان البديل بموته، فتبوب هذه الحالة في وسائل الاعلام، المعروفة لدينا هذه الايام الصحف والاذاعة والتلفزيون وغيرها، وكان عليهم البحث عن طرق اخرى في تركيز الجوانب الخلقية الحميدة، ولإبعاد السيء منها، لذلك كان للشعر وظيفة، وبالتالي المؤسسة الاجتماعية كأن يكون شيخ العشيرة وفيما ما بعد المؤسسة الرسمية الحكومية المتمثلة بنظام الخلافة، حاولت ان تصنع ثقافيا ما يعينها على حكم الناس، فشيخ القبيلة كان له شاعر، وظلت المشكلة ان يعامل الشاعر العربي بشيء اشبه ما يكون بالنبوة، فالشاعر يحتفى بحضوره، الموضوع كأن يكون له علاقة بالوراثة والطفرة الوراثية والموهبة، في الوقت الذي تسعى اليه تجريب اليوم الى ان يكون الشعر ليس مقصورا على احد لأن من حق كل انسان ان يحاول ان يكتشف موجوداته.
صدى الروضتين: إذن هل رفعتم الغرضية عن تجريب؟
تجريب مجرد محاولة في تأسيس مفهوم للشعرية ولشعرنة الأشياء والموجودات، الشعر أكبر من جماعة تجريب، وواحدة من تعريفاتنا للشعر، هو طريقة للإحساس بالوجود، فأنا أكتب الشعر لأني أريد ان امارس هذا الوجود..
صدى الروضتين: ولكن المغايرة ايضا هي غرضية ووظيفة معينة؟
المغايرة حركة دؤوب لا نعلم من أين تبدأ او تنتهي، حالها حال المعنى، فالمعنى هو حركة كما قلنا دؤوب غير مفضية، هو ذلك النهر الذي لا تستطيع ان تنزله مرتين. والمغايرة جزء مهتم به تجريب. فكل النصوص الكونية المهمة تحوي على عنصر المغايرة. وقد تحدثت عن الصوفية والباطنية هناك حرص شديد على عدم التعاون مع ما هو عادي بل لما هو خارق.
صدى الروضتين: ألا تعد هذه العملية إلغاء إلى الآخر المكون العادي أقصد او التراثي وسواه؟
هذا يعتمد على فهمك وتعريفك للتراث اذا كنت تفهم ان التراث كل ماهو ماضي سواء كان مؤثرا وفاعلا في الحاضر، او لم يكن كذلك، هذا علينا ان نقف بالضد معه، لكن التراث الذي يكون فاعلا وعاملا وحاضرا، هذا هو التراث الحقيقي الذي ندعو إليه. وسواه لايعد بذي قيمة.
صدى الروضتين: تجريب لا يعتقد بالمضمون، ولكن هذا لايمنع من وجود مضامينه، حيث افضت هذه المضامين إلى أخر كثيرة ومتشعبة، فالنص الذي يخلو من الصورة، او النص الذي يرتكز على تشظي المعنى، وانا معني كثيرا بمتابعتكم عن كثب وجدت هذا المضمون رغم التشظي، اشعر بها مركزة بتقنية تجعلني شاعرا اكثر من متلقي؟
أريد ان اقرب الفكرة واضرب مثلا على الشعر الذي تدعو له جماعة تجريب وهو من، حتى لايقال نحن ضد التراث على طول الخط، مثلا هناك بيت لأبي الطيب المتنبي وهو من اشعر شعراء العرب: على قدر اهل العزم تأتي العزائم، إلى آخر البيت، في مدح سيف الدولة، وهنا نتساءَل سوية ما الذي أتى به الشاعر سوى معلومات يعرفها كل انسان، الشعر في هذه الحالة سوف لن يعود له وظيفة، سوى الأداء اللفظي الموزون والمقفى، وفي مقابل هذا لنضرب مثلا بيت للشريف العقيلي يقول فيه: ضاقت علي نواحي فما قدرت على الإناخة في ساحاتها القبل. واضح جدا ان هذا الشاعر لايعكس تجربة خاصة بالاخرين، وهو لايقول شيئا بديهيا معروفا، بل يتحدث عن تجربة خاصة، ولايفهم القبلة كما فهمها الآخر، او بيت الشريف الرضي الذي يقول فيه: 
وتلفتت عيني فمذ خفيت *** عني الطلول تلفت القلب
صدى الروضتين: أكيد هذه الملامح ترسم خصوصية الشاعر، اما من ناحية الجهة النقدية، فهل تملك هويتها، أو هل تملك نقدا خاصا بهذه الحركة ـ تجريب؟ 
من الطبيعي جدا لو كان لنا طريقة خاصة بكتابة وتعريف الشعر، فطبيعي سنحاكم هذا الشعر فإذا كان الشعر لايزال ينظر إليه بإعتباره محاولة في تمييز الجيد من السيء من الشعر، وهذا ما لم يعد موجودا. واعتقد ان كل ناقد يشتغل في منطقة الحداثة يستطيع ان يفهم ماذا تريد تجريب، لأن الحداثة كما هو معلوم حركة دؤوب تسعى في محاولة اكتشاف الجديد، والشاعر بدوره عليه ان يقول الجديد، لاينبغي للشعر ان يقول ما هو كائن او ما هو مقال سابقا.
صدى الروضتين: نحن امام مسألة مهمة جدا، ألا نخشى على الشعر في تجريب ان تبتعد المساحة النقدية عنه وان يصبح بلا نقد؟ 
قبل قليل اخبرتك ان واحدة من طموحات تجريب هو كتابة شعر شعبي، غير ان عملية كتابة شعر يفهمه الناس بدون محاولة الارتقاء بإمكانياتهم، هذا في الحقيقة كما قلنا تقزيم للشعب، وهو ما نحاول ان نبتعد عنه. وقد ضربنا في هذا مثلا فشل ما ذهبت إليه الماركسية في محاولة حصر الفئات الشعبية بالفلاحين والعمال على وجه التحديد، وبذلك تحاول ان توصل الشعر الى هذه الطبقات.
صدى الروضتين: أرى ان المفهوم الشعبي العام الان قد تقزم تحت حركة تجريب؟ وهو الذي ورث هذه الأهلية منذ آلاف السنوات، فهل يريد تجريب أن يصنع خطابا شموليا ام انه يريد قارئا ومتلقيا نخبويا؟
في طبيعة تجريب ننظر الى ان المتلقي النخبوي بدوره سيكون مؤثرا على غير النخبوي، فلذلك طبيعي جدا ان النتاج الذي تقدمه تجريب اذا وصل الى النخب من الممكن الوصول الى غير النخب، وبالتالي ممكن أن يحقق المرجو، لكن بهذه النظرة هل نسيء الى الشعب او نقزم الشعب بما هو كائن؟
صدى الروضتين: وفي كل الأحوال اهمل المتلقي لأنه لا يفهم ما تقوله تجريب، وهنا نحن بحاجة الى قناة موصلة شمولية؟
اعتقد ان هذا الدور مؤهل لأن يقوم به النقد؛ فالنقد واحدة من مهامه وتعريفاته الحديثة هو تحليل النص إلى عوامله الأولية، هذا من جانب ومن جانب آخر، يحاول ان يلعب النقد الدور الوسيط بين المتلقي ومنشأ النص، فلذلك اذا كانت هناك حركة نقدية ملائمة ممكن ان تقرب هذه النصوص.
صدى الروضتين: الى جانب احتياجنا الى حركة او نهضة نقدية، ما مدى احتياجنا الى الدور الاعلامي في مسعى تجريب؟ وهل من الممكن بناء اعلام خاص بتجريب؟
ربما الضعف الاعلامي ينبع من داخل جماعة تجريب، ربما هناك قصور في كيفية الطرح والاعلان عن نفسها، ذلك ان الحراك والنشاط الثقافي الموجود على مستوى الساحة العراقية، من الصعب جدا التعكز على انه كان مضطهدا في السابق، ذلك ان ابواب النشر والاعلام وغيرها مفتوحة اليوم على مصراعيها وبشكل واسع.
صدى الروضتين: هل هناك من صعوبة في التعايش مع باقي المؤسسات الثقافية؟
نحن لانتوقع مشاكل مع مؤسسة ثقافية رصينة كالاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، ذلك ان معظم المشتغلين فيه، ومعظم الذين يشتغلون فيه يعلمون ان الادب الجيد يعتمد على المغايرة، ومخالفة ما هو سائد، وطبيعي جدا وجود تيار تقليدي، ويحضرني قول لأدونيس بقوله: ان كل شعر عظيم هو شعر حداثوي، وابو تمام كان حين يكتب يقال له: لماذا لاتكتب ما نفهم، فيرد بقوله: لماذا لاتفهمون ما أكتب. وهذا الحراك كله مفيد جدا، أفضل بكثير من الاتفاق العام.
صدى الروضتين: كيف يرسم تجريب تقييمه إلى ثقافة وحركة الاعلام الثقافي العراقي؟
نعتقد ان واحدة من مشاكل الاعلام العراقي اليوم الذي تم بطفرة وتعدد اعلامي لم يكن معد إليه بشكل جيد، وقد تم وصول كم كبير إلى هذه المؤسسة من اناس غير مهنيين، وهذا سيسبب مشاكل في المرحلة القادمة، ولكن بعد نشوء مؤسسات اعلامية رصينة، ذات تاريخ مهني يعتد به، طبيعي جدا ستنمو المؤسسة الاعلامية العراقية وفق هذه الضوابط المهنية.
صدى الروضتين: من أين استمد التأهل لهذا الاعلام، فقط من الناحية الاكاديمية، ام ان هناك وجهات أخر خارج المدار الاكاديمي؟
لايمكن أبدا للأكاديمي ان يقوم بكل شيء، هذا ان لم يكن قادرا على القيام بشيء دون معرفة ثقافية مناسبة، ومن هذا الباب اعتقد النقد الثقافي الحديث ان النقد الأدبي بدأ يموت ويتراجع وبدأ يقصر في محاولة اكتشاف مشكلات الثقافة المعاصرة، ذلك ان النقد الادبي غير مؤهل والذي هو غالبا الممارسون في حقله هم أكاديميون، لم يعد هذا النقد مؤهلا للبت في مستحدثات الثقافة الحديثة، فلا يمكن للنقد الأدبي ان يقول كلمة في نقد وسائل الاعلام، ثقافة الميديا، كيف سيقول كلمة في نقد نشرة الاخبار مثلا، او اعلانات الشوارع وهي تشكل الشخصية الجديدة، واصبحت حاضرة جدا في مفاصل حياتنا اليومية، لذلك كان لابد من وجود نقد ثقافي.
صدى الروضتين: كيف يرى تجريب المستقبل، بعدما عرفنا كيف يتعامل تجريب مع الحاضر والماضي المتمثل بالتراث؟
سبق وان قلت ان الشعر في نظر تجريب يستمد وجوده من المستقبل، بينما الشعر ما قبل تجريب الذي نفهمه يستمد وجوده من الماضي ومن قراءاته، اما محاولة اكتشاف الذات برؤى جديدة وبتشريعات وأصول جديدة هي عملية استشراف للمستقبل، وتجريب غير معني بشكل المستقبل بقدر ما هو معني بمحاولة اكتشاف هذا الشكل.
صدى الروضتين: اين تكمن خطورة التجريب ما لو أسيء استخدامها، وما هو أخطر شيء تتناوله تجريب؟
موضوعة اللغة الجديدة، فتجريب تدعو الى كتابة الشعر بلغة جديدة، وهذه اللغة بدورها بحاجة الى كتابة جديدة، وبحاجة الى متلقي جديد يستطيع قراءة هذه الكتابة الجديدة، فلذلك تشيع في كتابات تجريب حروف معينة تتردد ربما كانت لها دلالة صوتية لايمكن ان تعطيها الكلمة العادية، فلذلك مثلا ذكر حرف مهموس في قصيدة من قصائد تجريب، تشيع احساسا بالاستقرار والدعة على طول القصيدة، اما وجود حرف مثل الراء الذي يوحي ويعبر عن التكرار يمكن ان يعبر عن القلق بالقصيدة، تجريب معنية بعملية الكتابة، فتستخدم كثيرا علامات المثلث والمربع ورمز اللامنتهي الفاصلة، وهي تستخدم بوعي، ايضا معنية بقراءة الفضاء الابيض الذي تكتب به القصيدة، فهناك شطر تكتب في كلمة واحدة، او هناك شطر يضم عشر كلمات، كل هذه الأمور تتعلق بشكل الكتابة الجديدة والتي هي عبارة عن متلازمة مع اللغة الجديدة. اما خطورة الدعوة الى تجريب تكمن في انها ستقدم اشكالا جديدة. والفقد الذي يصاحبها يكمن في فقدها للأشكال النمطية. وبسبب من هذه الاشكال النمطية ظل المثققف العراقي والعربي ينظر الى الادب بإعتباره نوعا من انواع البطر، فكل ما قيل هو في الحقيقة تم قوله سابقا.
صدى الروضتين: انتم رفضتم المضمون والصورة الشعرية حين تكون مرتكزا، ووافقتم على رسم القصيدة صورة؟
سوف يتحدد المعنى في ضوء ما ستكتبه انت في قصيدتك، تعليقا على هذه الصورة، سوف لن نمنح معنى الصورة السائد التقليدي حين يضع احد صورته، ولدينا في النصوص الجديدة، كأن يكون نصا للشاعر فاضل العزاوي حين وضع صورته، ويقول تعليقا عليها: هذا الرجل اعرفه سوف يموت في يوم ما (سبت، احد، اثنين، ثلاثاء، اربعاء، خميس، جمعة، انه ولد في يوم ما، سبت احد ... في شهر ما، كانون الثاني شباط ...، ويعدد الأشهر، ثم ينتقل ويقول: هلو فاضل العزاوي هل تسمعني جيدا، اني اناديك من قعر الازمة. لايمكن ابدا لمعنى القصيدة ان يكون مطابقا لمعنى الصورة، سوف نمنح الصورة معنى آخر.
صدى الروضتين: كيف تنظرون إلى الحركة الشعرية في كربلاء اليوم؟
اعتقد ان هناك مجموعة من الشعراء الذين سبقوا تجريب من الشعراء الجيدين، كما ان تجريب لاتعتد بنموذج معين، خصوصا لو كان هذا النموذج يمثل (أنا) الشاعر، الحقيقة لايمكن أبدا ان ننظر الى العملية الشعرية إلا بوجود انا ووجود شيء، نحن ندعو إلى كتابة قصيدة الشيء وليس قصيدة (الأنا)، ذلك اننا نعتقد انه لايمكن ان ترى الشيء بدون الأنا، لكن انت حين ترى الشيء عليك ان ترى شيئا مغايرا لذاتك، عليك ان تكتشف ذاتك لا ان ترى ذاتك، من خلال الشيء، وخلاف هذا فأنك لن ترى إلا ذاتك، وهذا معيب وقاصر.
صدى الروضتين: كيف ينظر تجريب الى القصيدة التفاعلية الرقمية، هل هي شيء من هويته، ام انها ابتعدت عن السمات؟
هي محاولة لإكتشاف نمط ولون من الاداء الشعري ممكن استثمار الصورة والصوت وباقي المكونات والايقونات الاخرى، هي رحلة بحث جديدة، وارجو ان هذا الموضوع حين يخطر بذهن أي متلقي ان هذه مرحلة من مراحل كتابة القصيدة، وليست هذه آخر مرحلة، مثلما لن نقبل ابدا ان تكون قصيدة النثر آخرها، نحن لا نريد قوانين مسبقة لكتابة القصيدة، نعتقد ان القصيدة الحقة هي القصيدة الجادة في كتابة قوانينها، فذلك لن تكون هناك تعليمات او وصفات جاهزة لكتابة القصيدة.
صدى الروضتين: نريد ان نعرف من خلالكم الآن، كيف تنظرون إلى جريدة صدى الروضتين؟
 اعتقد ان محاولة امتلاك خطاب اعلامي خاص في العتبتين المقدستين، خطوة بالطريق الصحيح، وهذا الموضوع سوف يسمح للمؤسسة الدينية ان تقول كلمة تخالف كل ما هو سائد او معروف عنها من انغلاق، هذه علامة انفتاح ينبغي ان نرحب بها، وان نشعر بأنها محاولة جادة في طريق تأسيس مواقف مهمة.
أخترنا لك
تلك هويتي... من اوراق مهجرة سابقا

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف