انتصارا للصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام " فاطمة (ع ) من المهد إلى اللحد "

2021/05/15

 كتبت : ساره الفتلاوي

الصديقة الكبرى : وهو لقب شريف عظيم مدح الله تبارك وتعالى به مريم ( عليها السلام ) في القرآن المجيد قال تعالى : ( ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبين الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ) .

ولقب رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة الطاهرة ب‍ « الصديقة الكبرى » قال ( صلى الله عليه وآله ) : « وهي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الأولى » .

والصديق على وزن فعيل من أبنية المبالغة كما يقال : وهو كثير الصدق ، والصدق نقيض الكذب ، ومنه قوله تعالى : ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) .

والصديق والصديقة بالتخفيف : الخل والمحب ، رجلا أو امرأة ، والصديق يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث .

وبديهي أن مقام الصدق والاستقامة في القول والفعل يأتي تلو مقام النبوة ومنه قوله تعالى : "ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" .

وقال أيضا : "والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون " .

وقال أيضا : "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله في مدح أمير المؤمنين عليه السلام : « هذا خير الأولين وخير الآخرين من أهل السماوات وأهل الأرضين ، وهذا سيد الصديقين وسيد الوصيين » .

وقد مدح القرآن الكريم يحيى بن زكريا ونعته بالتصديق فقال : "إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله".

روي أنه لما دخلت مريم على أم يحيى لم تقم ، لها فأذن الله تعالى ليحيى وهو في بطن أمه فناداها : يا أمة تدخل إليك سيدة نساء العالمين مشتملة على سيد رجال العالمين فلا تقومين لها ، فانزعجت وقامت إليها وسجد يحيى وهو في بطن أمه لعيسى ابن مريم ، فذلك كان أول تصديقه له » .

وإنما مدحت مريم ووصفت
ب‍ « الصديقة » لصدقها في دعواها أن عيسى منها ولم يمسسها بشر ، فشهد الله لها بالصدق ، فصارت صديقة لأن الله صدقها .

وسميت فاطمة الزهراء عليها السلام : الصديقة الكبرى ( عليها السلام ) لأنها صدقت بوحدانية الحق تعالى ونبوة أبيها وإمامة بعلها وإمامة أبناءها المعصومين واحدا بعد واحد وهي في رحم أمها وعند ولادتها .

ثم إنها كانت وهي طفلة صغيرة أول من سبق إلى التصديق بنبوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد أمها والإمام علي عليه السلام، وعاشت في كنف الرسالة ، واقتدت في جميع أحوالها وأفعالها وأقوالها بمربيها العظيم

وأكملت منذ طفولتها ملكاتها القدسية النفسانية ، وعاشت مع الصادقين والصديقين ، وقد وصفها أبوها وهو أصدق القائلين وأفضل الصديقين  بأنها « الصديقة الكبرى » وفضلها بذلك على مريم العذراء ، وقد قال :
« فاطمة مريم الكبرى » .

وشهد لها بذلك أيضا عائشة بنت أبي بكر على ما رواه المشاهير والنحارير من العلماء أنها قالت مرارا « ما رأيت امرأة أصدق منها إلا أباها » .

وهذا الخبر صحيح ومعتبر عندهم ، ومع ذلك فقد آذاها أبو عائشة وأعوانه حينما طالبت بحقها الثابت ، وغمها وخذلها المهاجرون والأنصار وهي تشكو وتتظلم بينهم وتستنصرهم لإحقاق حقهم

فلم تجد منهم ناصرا ولا من مغيث ، ولم يصدقوا قول تلك الصادقة المصدقة ، وكانت العاقبة أن عاشت أياما قليلة تكابد الهم والألم ، وفارقت الدنيا لتقف لهم غدا يوم القيامة بين يدي المنتقم الحق ، وتحاسب الرجال والنساء القساة الجفاة الذين صدقوا قولها وأذعنوا أن الحق معها ولها ، فدعواها حق وقولها الصدق

ولكنهم ما تبعوا تصديقهم القولي بالعمل ، فكذبت أفعالهم أقوالهم وناقضوا أنفسهم ، وستحاجهم وتخاصمهم وتتظلم إلى الله ، فينصرها الله المنتقم نصرا عزيزا ويجازيهم بما كسبوا .

قال الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان في ذيل الآية المذكورة "ومن يطع الله ورسوله . . . الخ" الصديق المداوم على التصديق - أي دائم الصدق - بما يوجبه الحق .

وقيل : الصديق الذي عادته الصدق ، وهذا البناء يكون لمن غلب على عادته فعل ، يقال لملازم الشرب شريب ( ولملازم الشكر شكير ) وقيل في معنى الصديق : إنه المصدق بكل ما أمر الله به وأنبيائه ، لا يدخله في ذلك شك ، ويؤيده قوله :" والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون" .

وبناء على ما مر ، فقد اتفق المخالف والمؤالف على أن فاطمة الزهراء عليها السلام هي الصديقة الكبرى قولا وقلبا وفعلا ، لم تكذب قط كذبة واحدة ، وكانت تفعل ما تقول ، ولم تتخلف قط في أداء أي تكليف أو امتثال أي أمر ، وكان لها في ذلك صدق نية وعزم وثبات ومداومة ومراقبة تامة .

قال أهل التحقيق : إن التصديق يلازمه التبعية في الأقوال والأفعال ، كما صنع يحيى ( عليه السلام ) حين صدق بنبوة عيسى ( عليه السلام ) وتابعه متابعة كاملة من المهد إلى اللحد .

وقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( فمن تبعني فإنه مني ) .

وقد صدقت فاطمة ( عليها السلام ) بما أمر الله وبما جاء به النبي صلى الله عليه وآله واتبعته ، ولا شك أن التابع يعد من المتبوع ، فهي من النبي والنبي منها لاتحاد التابع والمتبوع المذكور في قوله "فمن تبعني فإنه مني"

إضافة إلى جهة النسب والقرابة ، والأبوة والنبوة ، وأما حديث « فاطمة مني وأنا من فاطمة » فشرف آخر وفضيلة خاصة .

فإن قال المخالف : إن أبا بكر صديق أيضا ، لما ورد في حديث المعراج من أنه صدق النبي صلى الله عليه وآله .

نقول : إن تصديقه بالمعراج لا يدل على ثبوت الصدق والدوام عليه ، ثم إنه صدق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله في قصة المعراج على ما هو المفروض وتصديق قول من أقوال النبي لا يدل على تصديق جميع أقواله ، لأن التصديق بالفرد لا يلازم التصديق بالكل سيما في صيغة المبالغة ، والحال أن « صدق » صيغة مبالغة دالة على الدوام والاستقامة ، إلا أن يقال أنه أكثر من التصديق في قصة المعراج فصحت المبالغة ! ! !

ويمكن للشيعي أن يقول : لما طالبت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بفدك كذب أبو بكر قولا وفعلا ، والحال أن ابنته عائشة شهدت بصدق فاطمة وكذا صدقها سيد الصديقين أمير المؤمنين وثلة من الصحابة من محبي أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتكون أن عائشة شهدت على أبيها بالكذب .

أمور يضحك السفهاء منها
ويبكي من عواقبها اللبيب

أرى تحت الرماد وميض حجر
ويوشك أن يكون له ضرام

واستحضر الآن ما ورد في البحار في حديث طويل : أن فاطمة عليها السلام وعدت الحسن والحسين عليهما السلام بثوب جديد يأتي به إليهما الخياط ، فأمر الله جبرئيل أن ينزل بثوبين إلى فاطمة عليها السلام، فصدق الله قول تلك الصادقة المصدقة .

معرفة دائرة لفاطمة الطاهرة

لقد رأيت قول النبي صلى الله عليه وآله : « فاطمة هي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الأولى »

كثيرا في كتب المناقب ، ولكني لم أجد أي إشارة إلى ما فيه من رموز وأسرار ، ولذا ارتأيت أن أشير إليه في هذا المقام إشارة إجمالية

فكيف دارت على معرفتها القرون الأولى مع أنها لم تكن من زمرة الأنبياء أو الخلفاء ؟ !

أولا : يطلق القرن : على كل ثمانين سنة ، أو سبعين ، أو ثلاثين ، أو أهل كل زمان ، أي من يعيشون في جيل واحد وفي فترة زمانية واحدة ويبعث فيهم نبي ، أو أنه غالب عمر الناس ، أي المعدل الذي يعمر فيه الإنسان .

قيل : إذا ذهب القرن الذي أنت فيه وخلفت في قرن فأنت غريب وقال تعالى : ( فما بال القرون الأولى ) أي سعادة الأمم السابقة وشقاوتها ، والمراد بالقرن « الزمان » فذكر الزمان وأراد الحال .

وفي الحديث : « أولي العزم من الرسل سادة المرسلين والنبيين ، عليهم دارت الرحى » .

ثانيا : إن في الحديث إشارة صريحة إلى عظمة أولئك النفر الذين دارت الأرض والسماوات على وجودهم ، كما في الحديث إشارة صريحة إلى عظمتهم لمطاعيتهم في جميع الأملاك وسكان الأرض دون استثناء أحد .

وقد عبر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن هذا المضمون بتعبير أدق حيث قال : « إن محلي منها محل القطب من الرحى » ، وإن كان المراد هنا رحى الخلافة ، ولكن يكشف أيضا لان دوران العالم كله قائم بوجود خليفة الله والأنبياء من خلفاء الله أيضا .

بناء على ذلك ، تبين من الحديث النبوي السابق أن جميع الأنبياء والمرسلين أمروا أممهم بمعرفة الصديقة الكبرى ، وكلفوهم عرفان المقامات الفاطمية  

أي أن أحكام جميع الأمم وتكاليفهم الشرعية منوطة بمعرفة الزهراء عليها السلام قطب فلك الجاه والعصمة ، فلو أن أية أمة من الأمم وأي قرن من القرون لم يعرفا حقيقة العصمة وتلك الذات المقدسة ، لكان أداءهم لجميع الواجبات باطلا غير مقبول ، بل كان عملهم كله هباء منثورا .

وبعبارة واضحة : إن السعادة والشقاء لأهل كل زمان تدور مدار « التولي والتبري » لجناب الصديقة الكبرى ، وإن دين الأنبياء جميعا منوط بحبها ، فكيف والحال هذه  لا تدور هذه الشريعة على معرفتها وحبها ؟ !

وكيف لا تدور بوجودها المقدس رحى الإسلام والدين المبين ؟ ! ! فأسال الله الذي أكرمني بمعرفتها ومعرفة عترتها ، ورزقني البراءة من أعدائها ، أن يجعلني من موالي مواليها ، ومن محبي محبي ذريتها وبنيها ، وأن يثبت لي عندها قدم صدق في الدنيا والآخرة ، وأن يجري لساني فيما بقي من عمري بمناقب المعصومين من العترة الطاهرة

والحمد لله على وضوح الحجة وكشف المحجة .

ولقد قلت آنفا في حقها عليها السلام نظما واسترسل القلم في ذكر بعض الأبيات فقلت :

هي والله آية لرسول الله
بل رحمة بها أهداها

هي عند الإله أعظم خلقا
وبها دار في القرون رحاها

هي مشكاة عصمة علقت
من سماء الوجود مثل ركاها

أم آل الرسول عصبتهم
هي لولاها لم يكن آل طه

بأبي ثم اسرتي ثم أهلي
ثم مالي ومن سواها فداها

بأبي فاطما وقد فطمت
باسمها نار حشرها ولظاها

بأبي فاطما شفيعة حشر
بأبي من بحكمها شفعاها

بأبي من تكون خالصة
عن ميولات نفسها وهواها

شمس أم القرى وأم أبيها
بأبي أمها وأمي أباها
أخترنا لك
احلمْ، لكن بتوازُن...

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف