جزعُ زينِ العابدين على أبيه الحسين (عليهما السلام)

2020/12/27

    حينما تُطلَقُ كلمةُ الجزعِ يتبادرُ إلى الذهنِ ذلك المعنى المُحرّمُ شرعًا وهوما يُقابلُ الصبر، أي الاعتراض على قضاءِ الله وقدره، أو يُرادُ به ما زادَ عن المُتعارف، في إظهارِ مظاهرِ الحزنِ والحداد، إلى درجةٍ تجعلهُ مكروهًا في نظرِ الشريعة المقدسة، ولكن قلَّما يُلتفتُ إلى المستثنى مِن هذينِ الحكمينِ، وما حظي بهِ من الاهتمامِ من قبلِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيتهِ الكرام الذين هم عدلُ الكتابِ، إلى درجةٍ ذكر لهُ من الثوابِ العظيم والأجر الكبير، ما لم يُذكَر لغيره من سائرِ المستحبات.

    وقد اختصَّ هذا الجزعُ بمصابِ الحسين (عليه السلام)، ولم يُشارِكْه فيه أحدٌ، كما صرّحت بهذا جملةٌ من الروايات، منَّها روايةُ مسمعٍ بن عبد الملك: قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) في حديثٍ طويلٍ: أما تذكرُ ما صُنِعَ بهِ...[يعني الحسين (عليه السلام)]؟ قلتُ: بلى، قال: أتجزعُ؟ قلتُ: إي والله، وأستعبرُ بذلك حتى يرى أهلي أثرَ ذلك عليَّ، فأمتنعُ من الطعامِ حتى يستبينَ ذلك في وجهي فقال: رحِمَ اللهُ دمعتَك، أما إنَّك من الذين يُعدّون من أهلِ الجزع لنا إلى أنْ قال: (وما من عينٍ بكت لنا إلا نعمتْ بالنظرِ إلى الكوثرِ، وسُقيّتْ منه مع من أحبنَّا)(١)
     فإنْ كان مسمعٌ بن عبد الملك يذكرُ الإمامَ الحسين (عليه السلام) وقد حصلَ له هذا، فلا عجبَ من جزعِ ولده زين العابدين (عليه السلام) وعدمِ نسيانِه واقعةَ كربلاء بتفاصيلها المروعة، حتى عُدَّ أحد البكائين الخمسة؛ إذ بكاه عشرين سنةٍ وما وضِعَ بين يديه طعامٌ إلا بكى، وهو القائلُ (إنّي لم أذكرْ مصرعَ بني فاطمةَ إلا وخنقتني لذلك عبرة)(٢)
      حتى أنَّ مولى له قال له ذات يومٍ: يا ابنَ رسولِ اللهِ، أما آنَ لحزنِك أنْ ينقضي؟ فقال (سلام الله عليه): ويحك إنَّ يعقوبَ النبي (عليه السلام) كانَ له اثنا عشرة ابنًا، فغيّبَ اللهُ واحدًا منه، فابيضت عيناه من كثرةِ بكائه عليه، وشابَ رأسُه من الحُزنِ واحدودبَ ظهرُه من الغمِّ وكان ابنُه حيًا في الدنيا، وأنا نظرتُ إلى أبي وأخي وعمي وسبعةِ عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني؟)(٣) 
     هكذا كان زينُ العابدين (عليه السلام) يعيشُ أجواءَ الطفوفِ بروحه، حتى غادرتْ عالمَ الدنيا، أما الجسدُ فقد كان هو الآخرُ مُثقلًا بجراحاتِ الجامعة، وسياطِ الأسر، ليكونَ خيرَ شاهدٍ على معاناته (عليه السلام). 


ايمان صاحب

أخترنا لك
المُلتقــى قريـــبٌ

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف