فقه الحب والبغض في الله 19 في حكم حب المؤمن الفاسق . أدلة بغض العاصين ، الدوران بين التعارض والتزاحم

2020/06/01

بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه . الدرس ١٩
 الأحد ٣٠ شهر رمضان.  ١٤٤١
 الحب والبغض في الله . المرحلة الثانية في الأدلة على حكم الحب في الله تعالى . المفاد النهائي لنصوص وجوب الحب في الله. في حكم حب المؤمن الفاسق . أدلة بغض العاصين ، الدوران بين التعارض والتزاحم


وأما النصوص التي تدعو الى بغض العاصين من قبيل ما رواه ابن شعبة في  تحف العقول قال : (وقال صلى الله عليه وآله : قال عيسى بن مريم للحواريين : تحببوا إلى الله وتقربوا إليه ، قالوا : يا روح الله بماذا نتحبب إلى الله ونتقرب ؟ قال : ببغض أهل المعاصي والتمسوا رضى الله بسخطهم . قالوا : يا روح الله فمن نجالس إذا ؟ قال : من يذكركم الله رؤيته ، ويزيد في علمكم منطقه ، ويرغبكم في الآخرة عمله ).

وقريب منه ما  نقله النوري في المستدرك عن علي بن الحسين المسعودي في اثبات الوصية : في قصة عيسى عليه السلام ، قال : وكان فيما أمر به الحواريين قوله عليه السلام : وتحببوا إلى الله ، ببغض أهل المعاصي ، والبعد منهم .

وكذا في المستدرك عن القطب الراوندي في لب اللباب قال : قال عيسى عليه السلام : تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي .

ودعوى الوثوق بصدوره ليست مجازفة فتحف العقول عندنا قريب من نهج البلاغة فهو من أوثق الكتب وأكثرها تحفظا في الارسال ، كما أنه  قد قال في مقدمته ( فتأملوا معاشر شيعة المؤمنين ما قالته أئمتكم عليهم السلام وندبوا إليه وحضوا عليه .

 وانظروا إليه بعيون قلوبكم ، واسمعوه بآذانها ، وعوه بما وهبه الله لكم واحتج به عليكم من العقول السليمة والافهام الصحيحة ولا تكونوا كأنداكم الذين يسمعون الحجج اللازمة والحكم البالغة صفحا وينظرون فيها تصفحا ويستجيدونها قولا ويعجبون بها لفظا ، فهم بالموعظة لا ينتفعون ولا فيما رغبوا يرغبون ولا عما حذروا ينزجرون ، فالحجة لهم لازمة والحسرة عليهم دائمة .

 بل خذوا ما ورد إليكم عمن فرض الله طاعته عليكم وتلقوا ما نقله الثقات عن السادات بالسمع والطاعة والانتهاء إليه والعمل به ، وكونوا من التقصير مشفقين وبالعجز مقرين ..).

 هذا مضافا لاقتران الحديث بالمؤيدات، مع قوة مضمونه بحد لا تدع مجالا للتشكيك عرفا بالصدور .  

وأما دلالته فهو وإن كان المخاطب به الحواريين وليس عامة المؤمنين ولكنه يتضمن بيان ما يقرب الى الله تعالى ، ولا مبرر لرفع اليد عنه لكونه مرويا عن غير نبي الاسلام وأهل بيته ما لم يثبت نسخه ، ولم يثبت ذلك ، خصوصا بناء على كون ابن شعبة يروي الحديث عن أحد المعصومين عليهم السلام فإن روايته عنهم تثبت إمضائه من قبلهم صلوات الله عليهم أجمعين  ظاهرا ، الا أن تقوم قرينة واضحة على خلاف ذلك .

نعم هو لا يدل على وجوب بغض أهل المعاصي، بل على مجرد كون بغضهم مقربا الى الله تعالى ، ولكنه بظاهره معارض لما دل على وجوب حب الموالين للنبي وآهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين حتى وإن كانوا عاصين كما تقدم .

ويمكن الجمع بينهما عرفا بحمل المطلق منهما  _  وهو الحث على بغض أهل المعاصي  _ على المقيد وهو الأمر بحب المواليين ولو كانوا عاصين . 
وعلى ذلك تحمل باقي النصوص ومنها  ما رواه الشيخ المفيد في أماليه  بسند فيه ما فيه  عن الفجيع العقيلي ، عن الحسن بن علي ، عن أبيه عليهما السلام ، أنه قال له عند وفاته : " وواخ الاخوان في الله ، وأحب الصالح لصلاحه ، ودار الفاسق عن دينك ، وأبغضه بقلبك ، وزائله بأعمالك ، لئلا تكون مثله " . الخبر .

أو يحمل على  أن الحكم الطبعي للفاسق هو البغض ولكن لا مانع من أنه  يرتفع بالحكم الفعلي الذي يكون للموالي .

بل قد يقال :  أن الحكم بحب المؤمن الفاسق إن لم يثبت وجوبه كما تقدم وكان مجرد استحباب ناشئ من كون المؤمن الفاسق جديرا بالحب في الله لعظمة الإيمان والولاء لله ولأوليائه في قلبه ، فلا مانع من اجتماعه مع كون الفاسق جديرا بالبغض لفسقه فمن أبغض فاسقا لفسقه فقد أبغضه لله ، ومن أحبه لإيمانه فقد أحبه لله ، غاية الأمر أن النصوص أشارت لكون الحب في الله هو الأرجح والأنسب بحاله دون أن تسقط منشأ البغض في الله فيه بنحو التقييد أو التخصيص  اذ لا تنافي في استحباب حبه في الله من الحيثية الموجبة للحب  وهي إيمانه مع استحباب بغضه في الله من الجهة المقتضية لبغضه وهي معاصيه  وعليه تكون النسبة بينهما هي التزاحم في مقام الامتثال لا التعارض في الكشف عن التشريع .
ولكن ..
أخترنا لك
فقه الحب والبغض 5 : المرحلة الاولى في المراد من ( الحب والبغض في الله ) .

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة