فقه الحب والبغض 3 : المقدمة . النقطة الثالثة في عموم الأحكام لكل الامور الاختيارية . في كون الحب والبغض من الامور الاختيارية .

2020/06/01

بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه . الدرس ٣.  الثلاثاء . ٤ شهر رمضان.  ١٤٤١
فقه الحب والبغض . المقدمة . النقطة الثالثة  في عموم الأحكام لكل الامور الاختيارية .  في كون الحب والبغض من الامور الاختيارية .

خصوصا مع ملاحظة ما في قوله تعالى : ( لِلَّـهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّـهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّـهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ) البقرة ٢٨٤.
حيث يبدو أن الآية الكريمة ناظرة الى الامور النفسية وما يترتب عليها من الأحكام الشرعية والمسؤولية التي تترتب عليها.
ومن المهم الالتفات الى أن عامة ما ورد في القران الكريم من نصوص تبين تعلق الاحكام بغير افعال الجوارح يصلح مانعا من تشكل أي انصراف على خلافه لما تقرر في محله وذكرناه مرارا في الفقه واصوله  أن المضامين القرآنية أشبه بالقرائن الحالية المتصلة مع النصوص لكون القران الكريم يشكل المرتكز العام في الفهم الاجتماعي الاسلامي .
فكيف إذا أضفنا الى ذلك ما  تعلق من الأحكام بالنية اخلاصا ورياء وسمعة واعجابا بالنفس أو بالعمل ،  وما ورد من حرمة اليأس من روح الله ، وحرمة الأمن من مكر الله ، وما ورد من وجوب حب النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام  ، وما ورد من استحباب أو كراهة حب النساء ، وحب الأولاد، وحب الاطفال ،وما ورد من استحباب حب الاخوان ، وما ورد في حب الأبرار والفجار ، وما ورد في الانكار القلبي للمنكر، وما ورد في التوكل والرضا والتسليم والخوف والرجاء والندم والتوبة والى آخره مما لا يحصى كثرة .
ثم برؤية أصولية للمطلب قد يصح القول : إن دعوى الانصراف إنما تصح منهجيا إن كانت مفاد الأدلة العامة هو الاطلاق فقط وأما إن كان مفاد الأدلة هو العموم فلا تسمع دعوى الانصراف على ما تحقق في محله من الاصول من كون العموم ليس بحاجة الى التمسك بإطلاق مدخوله فإن العموم يحول المطلق الذي يكون مفاده ( لا بشرط ) الى ( بشرط شيء ) من حيث الشمول لكل مصاديقه ، فتأمل جيدا .
وعليه فإن دعوى الانصراف لا يمكن قبولها اطلاقا .

ما قد يستدل به على كون الحب والبغض قهريا
 
تقدم أن الحب والبغض بحسب طبيعتهما الاولية من الامور الاختيارية لكون مقدماتهما اختيارية وهذا كاف في اثبات المدعى ولكن قد يستدل ببعض النصوص على كون الحب والبغض من الأمور غير الاختيارية  :
1_  ما ورد في كتاب الله من خطاب للذين آمنوا بقوله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ )، إذ قد يستفاد منه أن فاعل الحب هو الله وموضوعه هو الذين آمنوا ، وكذا فاعل الكره للكفر والفسوق والعصيان ، خصوصا مع ملاحظة ما رواه الكليني ره عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن فضيل بن يسار قال : سألت أبا عبد الله ( عليهم السلام ) عن الحب والبغض ، أمن الايمان هو ؟ فقال : وهل الايمان إلا الحب والبغض ؟ ثم تلا هذه الآية " حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون " .
بل الأهم ما رواه البرقي في المحاسن عن محمد بن خالد ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى الحلبي ، عن أيوب بن الحر ، عن الحسن بن زياد قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله : " حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم " هل للعباد بما حبب صنع ؟ - قال : لا ، ولا كرامة ).
والرواية معتبرة  
ويناقش الاستدلال بمفاد الآية بحد نفسه بأن نسبة إيجاد الحب والكره الى الله تعالى لا تتنافى مع كونه اختياريا فلا مانع من نسبة الفعل الى الله تعالى مع كونه اختياريا كما هو حال الهداية حيث قد وردت نسبتها الى الله في آيات كثيرة دون أن يخدش ذلك في اختيارية الهداية ويتضح ذلك بالتدبر في هاتين الآيتين (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) و( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ).

و أما ما في رواية الحسن بن زياد فمن القريب أنها تبين أصل الفطرة والمقتضي الخلقي لانجذاب الانسان الى الإيمان وكره الكفر والفسوق والعصيان ، دون أن يستلزم ذلك كون الحب والبغض خارجا عن الاختيار استمرارا والا فما معنى لاختصاصها الآية والرواية بالمؤمنين ؟!
والقول بشمولها لعامة الناس مخالف للوجدان وظاهر القرآن .
والبناء على تحقق الجبر في الحب والكره لكل من الفريقين المؤمنين والكافرين مبطل للثواب والعقاب .
فلا بد من حملها على أصل الفطرة كما يناسبه قوله عليه السلام في ذيل الرواية ( ولا كرامة ) فالظاهر منها أن أصل الفطرة هي بذلك وأن الكافر خرج عن مقتضاها والا لكانت الرواية مخالفة لعامة ما دل على عظيم الكرامة للمتحابين في الله .   

السيد حسين الحكيم


*ملاحظة " بحث استدلالي فقهي رمضاني في موضوع أخلاقي قد تكون فيه أحكام شرعية إلزامية فيها نصوص قرانية وحديثية كثيرة ولكنها لم تأخذ نصيبها المناسب من البحث الفقهي علما أن المدونات لا تمثل الرأي النهائي بل هي خلاصة للمسودة التي تطرح للمناقشة في الدرس"  


أخترنا لك
آية الله السيد محمد مهدي الموسوي الخلخالي دام ظله

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة