الوظيفة الفطرية للباحث عن الدين في حال إحراز حقانيته، وفي حال احتماله لها

2020/05/29

#العقيدة (١٤)

بعد أن بينّا لزوم البحث عن الدين، وأنه لا سبيل الى الجزم بعدم حقانيّته، سنتطرق الى الوظيفة الفطرية للباحث، وما ينبغي أن يعمل.

المراعاة اللائقة بالدين في حال إحراز حقّانيته:
إذا أحرز الإنسان حقّانية الدين، فلا بُدّ من مراعاته (لخطورة رؤيته كما ذكرنا) بعدة أمور:
١- ضرورة استحضار الجِد في الحياة، إذ تعطي الرؤية الدينية للحياة معنى فهي ليست لهوٌ يسعى فيها الإنسان للسعادة المادية، بل أن في كل خطوة ونظرة وتفكير في هذه الحياة أثرٌ خالد، وأنها مضمار يتسابق فيه الواعون إلى الفضيلة.

٢- ضرورة استحصال اليقين بأصول الدين، حتى يكون الغائب منها كالحاضر، والمستقبل كالحال، فإذا لم يعتقد المؤمن بها بدرجة اليقين فهو مفرّط في الاهتمام بها بقدر بُعده عن درجة اليقين.

٣- ضرورة أن يكون هاجس المؤمن الأوّل والأهم في الحياة هو زيادة المعرفة بالتأمّل، وعمران قلبه بالحكمة والفضيلة، وزيادة الأعمال الصالحة، فيشعر بالغبن في الوقت الذي ضيّعه ولم يستثمره، ويجعل من المعصومين أسوة له.

٤- ضرورة الانتباه الى مهابة هذا المشهد الخطير، فيشعر بإنه في محضر خالقه ومربّيه، وأن سلوكه ونفسيّاته مكشوفة أمامه، بل يكون على انتظار للحظة الحقيقة بمفارقة هذه الحياة، إذ إنّ كل لحظة منها خطوة يخطوها الى تلك النهاية.

هذا كله من غير أن يحرّم الإنسان على نفسه ما أحلّ الله له من النّعم وينسى نصيبه من الدنيا ويتكاسل عن العمل، كما رود التنبيه على ذلك في آيات من القرآن الكريم.

المراعاة اللائقة بالدين في حال احتمال حقّانيته قبل الفحص والبحث:
قد يظنّ المرء أن الإنسان يكون معذوراً تجاه الدين في حال جهله بصدقه إذ أنه لا عقاب بلا بيان (أجبنا عن هذه الشبهة في نهاية المقال التاسع)، ولكن هذا الظن خاطئ إذ إن الجهل يكون معذّراً بعد الفحص والتحرّي لا قبله، وهو ما يسمى بالاحتمال المستقر (الشك بعد البحث)، والواقع أن معذّرية الجهل فيه مشروطة بعدم خطورة المحتمل وإلا وجب الاحتياط منه، وتفصيل هذا الأمر في البحث القادم.

أما لو كان الاحتمال غير مستقر (الشك قبل البحث) فلا بد من الاهتمام بالمحتَمل عملياً ومعرفياً، ويعتبر درجته كما لو كان بعد البحث (ما دام لم ينهي بحثه حتى الآن)، كما في القوانين الحديثة أنه لو أهمل الاطّلاع على الإنذار القضائي المنشور بحقّه في الجرائد الرسمية يعتبر بحكم المطّلع، فلو لو يحضر بعد نشر الاستدعاء صدر حكمه غيابياً.

ولأهمية وخطورة المحتمل، فينبغي أن يبحث ويفحص في شأن الدين ولا يبقى على الاحتمال الغير مستقر، وينبغي الملاحظة أنه لا يخرج الاحتمال عن كونه غير مستقر فيما لو احتمل عدم حقانية الدين قبل البحث لبعض المؤشرات، بل لا بد له أن يبحث في هذا الشأن ولا يكون معذوراً.

شبهات وجوابها:
١- قد يدّعى تعذّر التحقق في الدين الحق لكثرة الأديان الموجودة، فإنه لو صرف جميع عمره بالبحث عنها لم يستوعبها كلها، والجواب هو أنّ المهم من هذه الأديان ما ينبّئ بالحقائق الكبرى الثلاث من وجود الله ورسالته للإنسان وبقاء الإنسان بعد هذه الحياة، إذن إن البناء على هذه الحقائق معاً هو ما يجعل أمر الدين خطيراً للغاية، ولا أهمية لأديان تبنى على ألوهية غير الله أو الشرك الأصنام، لأن هذا بديهي البطلان لا يسما في هذا الزمان، وعمدة ما يتّصف بذلك هي الأديان الإبراهينية الثلاث، والإسلام يذعن بحقّانية أصل الدينين الآخرين فيكون البحث فيه أكثر أهمية.

٢- قد يدّعى أن التحقق من الدين يحتاج لتخصصات كثيرة في علوم شتّى لفهم النصوص الدينية غيرها، والجواب عن ذلك أن التحقق من الدين لا يتطلب أكثر من القواعد الفطرية لعامة للتثبت في المعرفة الإنسانية (سيأتي البحث في ذلك تفصيلاً لاحقاً)، مما يجري عليه كل إنسان سليم في أموره الفردية والاجتماعية، وأما الشبهات لمطروحة فهي غالباً تبقى في مستوى الاحتمال للفهم العام فلا حاجة للفهم العام من التحقق منها، مع أنه لا يصح رفع اليد عن المبادئ الواضحة والبديهية على أساس موارد مشتبهة ومشكوكة (ويأتي تفصيل ذلك أكثر لاحقاً).

المصادر/
١- منهج التثبت في الدين ج٣، ضرورة المعرفة الدينية، السيد محمد باقر السيستاني.

الباحث المحقق t.me/Albaaheth
أخترنا لك
تفسير (الرحمن الرحيم) وسبب ذكرهما أول القرآن دون غيرهما

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف