إمبراطوريتا الفرس والروم في عهد ظهور الإسلام

2020/03/11

#السيرة_٨

يهمنا للإطلاع على عظمة تعاليم الإسلام أن نتعرف على حال الناس في بيئة ظهوره وتناميه، وفي أرقى نقاط العالم يومئذٍ فكراً وحضارة، ولا نرى التاريخ يعرّفنا بهذه الحضارات في ذلك العهد إلا عن حضارتي الفرس والروم، وبعض الدول البعيدة، وفي ذلك العهد كان يحكم القسم الأكبر من العالم الدولتان الكبيرتان الروم الشرقية وايران الساسانية، وكان بين هاتين الدولتين حروب استمرت لأكثر من ٢٤ عاماً، لم تبقِ منهما سوى شبح مخيف خاوٍ.

دولة الفرس على عهد الإسلام:
كانت بعثة الرسول (٦١١م) وهجرته الى المدينة (٦٢٢م) على عهد السلطان خسرو پرويز.

الحضارة الإيرانية:
كان الحكم آنذاك دكتاتورياً استبدادياً فردياً، واشتهر ملوكهم بالترف والبذخ حتى ملك خسرو آلاف النساء والجواري، كان النظام الطبقي مشدداً للغاية، إذ كانت الملكية الفردية منحصرة في أقل من مليون ونصف شخص من أصل ١٤٠ مليون نسمة آنذاك، وكان العمال والفلاحين بمنتهى الذلة والتعاسة، محرومين من كل الحقوق الإجتماعية، وبشكل عام فإنّ ١.٥-١٠% من المجتمع الإيراني آنذاك كان يتمتع بكل شيء، وأكثر من ٨٩% منهم كانوا كالعبيد.

كان التعليم منحصراً بأبناء الأثرياء فقط، أما باقي طبقات المجتمع فممنوعين من التعليم، حيث ذكر الشاعر الحماسي الإيراني الفردوسي قصة عن أنوشيروان الذي وصفوه كذباً بالعادل، أنه احتاج لمعونة مالية لقتال الروم، ولأجل السرعة اقترحوا عليه أن يقترض من الأغنياء، وكان تاجر أحذية قد أبدى استعداده لدفع مصاريف الحرب، على أن يسمح لولده بالتعلم، فرفض أنوشيروان معللاً بأنه إذا أصبح عالماً تكون له آذآن صاغية فيتحسر العلماء من أبناء الأسر الراقية ويحسدوا ابن التاجر!
واعترف الوزير أمام خسرو پرويز قبل أن يقتله بأنه اسوأ الملوك وأنه قد أثنى عليه زوراً، والعجيب محاولة البعض وضع حديث باطل عن النبي (ص) يصف أنشيروان: (ولدت في زمن الملك العادل)! ونقل المسعودي أن الذي قتل خسرو هو ابنه ليصل للحكم وقتل إخوته، ومن بعد ابنه حتى حكم يزدجرد قد حكم بين ٦ - ١٤ حاكماً في مدة ٤ سنوات، ولك أن تتخيل دولة حصل فيها هذا العدد من الانقلابات الدموية على الحكم في هذه المدة، وهكذا كان كان الساسانيين يسير الى الهلاك.

ومن أهم اضطرابات دولتهم هو الاضطراب الديني، إذ كان دين الدولة الرسمي هو المجوسية، وبما أن سلطة الساسانيين قد تحققت بتأييد موابذة المجوس، فقد كانوا في رعاية البلاط وأقوى طبقات المجتمع، حتى نقلوا أن خسرو قد بنى معابد تسع ١٢ ألف شخص، ولصلاحيات موابذة المجوس وضغطهم على عامة الناس، نفر الناس من المجوسية، وبلغ تقديس النيران الى تحريم ضرب الحديدة المحمّاة بالنار! ولانفتاح الإيرانيين على الروم والهند سبب احتكاكاً مع المسيحية وغيرها فعمّ الاضطراب الديني والإلحاد أرجاء البلاد، وظهرت ديانات جديدة أخرى كالمانوية والمزدكية.

حضارة الروم:
لم تكن الروم بأحسن حالاً من إيران، فقد أعجزت الحروب الداخلية والخارجية الناس، وكان الاضطراب الديني أكثر من كل شيء عندهم فقد مارس رجال الكنيسة الضغط على الوثنيين بعد تسنمهم الحكم وأوجدوا أقليّة ناقمة، وكان اختلاف رجال الدين بينهم وتعدد المذاهب يقلل من هيبة الإمبراطورية، وكان بين سكان الشرق والغرب صراعات من أجل الحصول على الأراضي للزراعة والاستثمار حتى انقسمت الدولة الى قسمين، واستغل اليهود هذا الضعف وخططوا للانقلاب على النظام مما أدى لازدياد المذابح بين الطرفين.

حروب الفرس والروم:
بعد وقوع عدة حروب بينهم لغرض السيطرة على مناطق نفوذ جديدة عقد أنشيروان صلحاً مع الروم اسموه بالصلح الدائم، ونقضه أنشيروان لسوء ظنه فاشتعلت الحروب حتى دخل الفرس سوريا وأحرقوا أنطاكيا ونهبوا آسيا الصغرى، واستمرت الحروب ٢٠ سنة، وبعد الخسائر وفقد الطاقة عقدوا صلحاً آخر ورجعوا لحدودهم السابقة شرط أن يدفع الروم كل سنة ٢٠ ألف دينار ذهبي، حتى حكم تي پاريوس الروم وبدأ هجوما للإنتقام استمر ٧ سنين، مات خلاله أنشيروان وحكم ابنه خسرو، وبعد البعثة بثلاث سنوات هجم خسرو على الروم وفتح الشام وفلسطين وأفريقيا ونهب أورشليم وأحرق كنيسة القيامة وانتهت هذه الحروب بقتل أكثر من ٩٠ ألف مسيحي، فاغتمّ المسلمون لانتصار عبدة النار على المسيحيين، فنزل قوله سبحانه: (الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أدْنَى الأرضِ وَهُمْ مِن بَعدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِله الأمْرُ مِن قَبلُ وَمِن بَعدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفرَحُ المُؤمِنُونَ، بِنَصرِ الله..) وتحقق نبأ الله سبحانه بعد ١٠ سنوات فاستعاد هرقل مدينة الموصل وقُتل خسرو على يد ابنه شيرويه ومات بعد ٨ أشهر وحكم بعده ١٠ قادة، ٤ منهم نساء، وانتهى الأمر بهجوم العرب المسلمين.

فكانت الإمبراطوريتان اللتان كانتا تدعيان حكم العالم حين طلوع فجر الإسلام تعيشان مرحلة الشيخوخة، وأوجدت هذه الأوضاع المضطربة في الشعبين استعداداً لاستقبال دين جديد ينظم أوضاعهم وينقذهم من اضطرابهم.

مصادر بحث السيرة (٨)/
١- موسوعة التاريخ الإسلامي، الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي.
٢- السيرة المحمدية، المحقق الشيخ جعفر السبحاني.
٣- دروس في السيرة النبوية، الدكتور الشيخ عدنان فرحان آل قاسم.
٤- دولة الرسول، محسن الموسوي.
٥- سيد المرسلين، محاضرات الشيخ جعفر السبحاني بقلم جعفر الهادي.
٦- للإطلاع أكثر مراجعة: بيئة ظهور الإسلام، السيد محمد حسين بهشتي.

الباحث المحقق

أخترنا لك
الروايات المستفيضة في جزئية البسملة من القرآن والسور

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف